مقالات وشعر

أوراق الخريف..  حديث الفصول الصامت

 

في زاوية من زوايا هذا العالم، وبين طيات النسيم البارد، تسقط أوراق الخريف بصمتٍ يشبه البوح. لا تصرخ، لا تئن، بل تهمس للأرض بحكاية الرحيل… حكاية تعبق بالحكمة، وتمتلئ بالشوق، وتُروى بلغة الذبول الهادئ.

أوراق الخريف ليست مجرد نهايات، بل دروس عميقة في الفقد الجميل… تسقط، لكنها لا تموت، بل تعود إلى التربة لتمنح غيرها الحياة.

كأنها تقول: لا بأس أن نتغيّر، لا بأس أن نتخلى، لا بأس أن نرحل حين يحين وقت الرحيل.

الخريف ليس فصل الحزن كما يظنه البعض، بل هو فصل النضج، فصل التأمل، فصل نخلع فيه ما لم نعد بحاجة إليه… كما تخلع الشجرة أوراقها، نخلع نحن أيضًا أوهامنا، تعلقاتنا، وحتى بعض أحلامنا القديمة، لنفسح مكانًا لنموٍ جديد.

حين أمشي بين الأشجار التي تلبس ثوبها الذهبي، أشعر وكأن الزمان يبطئ خطاه، كأنه يمنحني فرصة لأفكر، لأتنفس، لأتذكر من أنا، وماذا أريد. هناك في الخريف، أجد نفسي أقرب للطبيعة، أقرب للهدوء، وأقرب لفهم أشياء كثيرة كانت غائمة في قلبي.

أوراق الخريف لا تسقط عبثًا، بل تُهدينا لحظة تأمل… تخبرنا أن كل شيءٍ يرحل في وقته، وأن الجمال لا يعني الديمومة، بل اللحظة التي نحياها بكامل الحضور والامتنان.

فهل تأملتَ يومًا ورقةً تسقط؟

تتراقص في الهواء بخفةِ من تعلّم الوداع بلطف، لا ضجيج فيها ولا مقاومة… فقط استسلامٌ جميل لما هو قادم، وكأنها تثق أن النهاية ليست سوى بداية أخرى، في مكان لا نراه، ولكن تشعره أرواحنا.

في كل ورقة تسقط، هناك قصة خفية…

ربما كانت تغطي غصنًا رفيقًا، أو تحمي عصفورًا صغيرًا من لفحات الريح، أو ربما كانت ترقص تحت المطر، سعيدةً بحياتها القصيرة. لكنها في النهاية، اختارت أن تُكمل رسالتها على الأرض، حيث تصبح غذاءً للجذور، وسببًا لنمو حياةٍ جديدة.

الخريف لا يُعلّمنا فقط معنى التغيّر، بل يُربينا على الصبر، ويمنحنا فرصة للتصالح مع النهايات. فالحياة ليست دائمة الخُضرة، والمشاعر ليست أبدًا صافية، وهناك دائمًا لحظة نحتاج فيها لأن نُفرغ أنفسنا من الزائد، لنستقبل الجديد بصفاء قلب.

عندما أنظر من نافذتي وأرى الأشجار تعانق الريح، وأوراقها تتساقط بهدوء، أشعر وكأن الطبيعة كلها تُغنّي لحن التوازن. لا شيء يبقى كما هو، ولا شيء يضيع حقًا… كل شيء يعود، ولكن بشكلٍ آخر، بحكمةٍ أكبر، وبجمالٍ أعمق.

فأوراق الخريف، رغم صمتها، تُعلّمنا أبلغ الدروس: أن في الرحيل جمال، وفي التغيير حياة، وفي الذبول فرصة للنمو من جديد.

بقلم الكاتبة:نجاح لافي الشمري

الحدود الشمالية

رفحاء..

‏Najeh-000@

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى