
بقلم الكاتبة: نجاح لافي الشمري
الحدود الشمالية
رفحاء
في لحظة تأمل عابرة، قد نشبه الحياة بأرجوحة معلّقة بين شجرتين: واحدة تُجسّد الوعي، والثانية تجسّد الشتات. نحن نمضي عمرنا في التأرجح بينهما، بين يقظة الفكر وتشتّت الشعور، بين إدراك اللحظة وتبعثر الهدف. فهل نحن من نُحرّك الأرجوحة، أم أن الحياة تفعل ذلك بنا؟
الوعي هو تلك اللحظة التي نلتقط فيها الحقيقة، عارية من الزيف، شديدة الوضوح حد الألم. هو حين نرى أنفسنا في المرآة الداخلية بلا أقنعة، وندرك موقعنا من الحياة، من الآخر، ومن الحلم. أما الشتات، فهو التيه الذي يسكننا حين نفقد وجهتنا، حين نتجزأ إلى رغبات متضاربة، وخيارات لا تُشبهنا، وأيام تمرّ بلا معنى.
لكن المفارقة أن هذه الأرجوحة ليست عيبًا في الوجود، بل قد تكون جوهر التجربة الإنسانية. ففي الشتات نتعلم، نجرّب، نُخطئ، ونفقد؛ وفي الوعي نرتّب تلك التجارب، نفهمها، ونستخلص منها المعنى. لا يمكننا أن نعيش في الوعي المطلق، كما لا يمكننا أن نستسلم بالكامل للضياع. الحياة الحقيقية تنسج في المسافة بين الاثنين.
قد يشعر البعض بالإرهاق من هذا التأرجح، كما لو أن الحياة لا تمنحهم أرضًا ثابتة للوقوف. لكن لنتساءل: ماذا لو كانت الحركة نفسها، هذا الذهاب والإياب، هي ما يمنح الحياة معناها؟ ما يمنحنا الشعور بأننا أحياء؟ فالركود قد يُشبه الموت، أما الحركة— لو كانت متعبة—فهي دليل النبض.
لكننا، ونحن نتأرجح بين نقيضي الشتات والوعي، نكتشف شيئًا أعمق: أن الهروب من أحدهما لا يفضي بنا إلى السلام، بل إلى إنكار نصف التجربة. ففي لحظات الشتات، نكتشف هشاشتنا البشرية، تلك التي تدفعنا للبحث عن معنى وسط الفوضى. وفي لحظات الوعي، نتذوق مرارة الإدراك، لكنه الإدراك الذي يُنضجنا، يجعلنا نختار بوعي، نحب بوعي، نعيش بوعي.
والغريب أن بعض أعظم لحظات النمو لا تحدث في الوعي التام، بل في منتصف التأرجح، في تلك اللحظة العابرة التي لا نكون فيها تمامًا في الشتات، ولا تمامًا في اليقظة، بل في حالة “ما بين”. في الحيرة، في السؤال، في الشعور الغامض بأن شيئًا ما يتغيّر في دواخلنا.
ربما لذلك، فإن الحياة ليست رحلة خطيّة نحو “الاستقرار” أو “النضج” كما يُصوَّر لنا. بل هي حركة دائرية، نعود فيها إلى الأسئلة ذاتها ولكن بإجابات مختلفة، نعيش المواقف ذاتها ولكن بأرواح مختلفة. فكل مرة نرجع فيها إلى نقطة الانطلاق، نكون قد تغيّرنا، حتى وإن بدا المكان كما هو. إن الإنسان بطبعه كائن قلق، يسكنه السؤال أكثر مما تسكنه الإجابة. لذلك لا غرابة أن يعيش ممزقًا بين لحظات الإدراك الحاد ومواسم التيه الطويلة. ففي كل مرة يظن أنه وصل إلى وعيه الكامل، تفاجئه الحياة بلحظة عبثٍ تسحبه إلى الضباب، كأنها تقول له: “لم تنتهِ الرحلة بعد، ما زال فيك متسع للشك والتعلّم”.
وقد يبدو الشتات في ظاهره حالة من الضياع، لكنه غالبًا ما يكون ضرورة وجودية. فكما لا تُبنى العضلات دون مقاومة، لا يُبنى الوعي دون اصطدامات، دون فوضى داخلية تخلخل ما كنا نظنه ثابتًا. كل سؤال لم نجد له جوابًا، كل خيبة، كل حب لم يكتمل، كل طريق سلكناه ثم عدنا منه، كل ذلك يُراكم وعينا، ولكن ببطء، بعمق، وبثمن.
وفي مقابل ذلك، لا يجب أن نُقدّس الوعي لدرجة إنكار الجانب العفوي من الحياة. فالوعي المفرط قد يتحول إلى عبء، إلى مرآة لا ترحم، تقسو علينا حين نخطئ، وتُحاصرنا حين نرتبك. إن بعض الجمال لا يُرى إلا من خلال العفوية، وبعض الاكتشافات لا تحدث إلا ونحن في خضمّ التيه. فهناك نوع من الحكمة لا يتولد من التفكير، بل من العيش.
الأرجوحة بين الشتات والوعي لا تعني التقلب فحسب، بل تعني التوازن: أن نتقبل لحظات غياب المعنى، كما نحتفل بلحظات التجلي. أن نعيش الأسئلة، لا فقط ننتظر الأجوبة. أن نُدرك أن وعينا ليس خطًا صاعدًا بل موجة، تهبط حينًا وترتفع حينًا، وفي ذلك طبيعتنا، وفي ذلك إنسانيتنا.
في النهاية، الأرجوحة ليست رمزًا للضياع، بل للحركة بين نقطتين أساسيتين في الوجود الإنساني. الوعي يمنحنا البوصلة، والشتات يمنحنا الخريطة. وبين الاثنين، نصنع الطريق.






