في زمن أصبحت فيه الهواتف المحمولة غرف أخبار متنقلة، ومنصاتُ التواصل ساحاتٍ مفتوحةً للجميع، لم يعد التحدي الحقيقي هو الوصول إلى الجمهور، بل أصبح التحدي الأكبر هو الحفاظ على معنى الإعلام نفسه.
لقد اختلطت المفاهيم حتى بات من الصعب على المتلقي أن يفرّق بين الإعلامي، وصانع المحتوى، والمعلن، والمؤثر. وأصبح البعض يمنح نفسه لقب “إعلامي” بمجرد امتلاكه حساباً يتابعه الآلاف، بينما الحقيقة أن كثرة المتابعين لا تصنع إعلاماً، كما أن ارتفاع المشاهدات لا يمنح صاحبها صفةً مهنية.
الإعلام رسالة قبل أن يكون مهنة، ومسؤولية قبل أن يكون شهرة، وضمير قبل أن يكون منصة.
الإعلامي الحقيقي لا يبيع رأيه، ولا يؤجر قلمه، ولا يبدّل قناعاته بحسب قيمة الإعلان أو حجم المقابل المادي فهو يدرك أن مصداقيته هي رأس ماله الحقيقي، وأن الجمهور قد يغفر الخطأ المهني، لكنه لا يغفر الخداع.
أما المعلن، فله دوره المشروع والمحترم، فهو يروّج لمنتج أو خدمة أو جهة مقابل أجر معلوم، وهذا عمل لا يعيبه ما دام واضحاً وصريحاً لكن الإشكال يبدأ عندما يُقدَّم الإعلان على أنه رأي مستقل، أو تُباع الثقة للجمهور دون الإفصاح عن المقابل، أو يتحول الحساب الإعلامي إلى لوحة إعلانات متنقلة تُدار بمن يدفع أكثر.
لقد أنتج الإعلام الإلكتروني جيلاً من المبدعين الذين يستحقون كل التقدير، لكنه في الوقت نفسه أوجد فئةً أخرى اختزلت الإعلام في إعلان، والرسالة في عقد، والمصداقية في سعر.
وأصبحت بعض الحسابات تمدح اليوم ما كانت تنتقده بالأمس، وتهاجم اليوم من كانت تشيد به بالأمس، لا لأن الحقائق تغيرت، بل لأن الجهة الدافعة تغيرت.
وهنا تكمن الأزمة.
فالخطر الحقيقي على الإعلام ليس المنافسة، وليس التطور التقني، وليس الذكاء الاصطناعي، وإنما سقوط المعايير المهنية، حتى أصبح اللقب يُمنح بلا تأهيل، وتُصنع الشهرة بالإعلانات أكثر مما تُصنع بالإنجاز.
الإعلام لا يُقاس بعدد المقاطع المنشورة، ولا بعدد المشاهدات، ولا بعدد الدعوات إلى المناسبات، بل يُقاس بقدرته على نقل الحقيقة، واحترام عقل المتلقي، والالتزام بالأمانة المهنية.
لقد واجه الإعلام الحقيقي تحدياتٍ قاسية؛ من سرعة تداول المعلومات، وانتشار الأخبار المضللة، وضغط السباق على “الترند”، إلى منافسة الحسابات التي تلهث خلف الإثارة مهما كانت على حساب الحقيقة.
ومع ذلك، بقي الإعلام المهني صامداً، لأن الحقيقة لا تحتاج إلى ضجيج، والمصداقية لا تحتاج إلى مؤثرات بصرية.
ولعل أكثر ما يسيء إلى المشهد الإعلامي اليوم هو استخدام لقب “إعلامي” بوصفه بطاقة عبور للمكاسب التجارية، بينما العمل الحقيقي لا يتجاوز نشر الإعلانات المدفوعة والترويج للمنتجات والجهات مقابل مبالغ مالية.
ولا ينتقص هذا من قيمة الإعلان بوصفه نشاطاً اقتصادياً مشروعاً، لكن من الإنصاف أن تُسمّى الأشياء بأسمائها؛ فالمعلن معلن، وصانع المحتوى صانع محتوى، والمؤثر مؤثر، أما الإعلامي فهو من يحمل رسالةً مهنية، ويخضع لضوابط وأخلاقيات، ويؤدي دوراً يتجاوز حدود الإعلان والتسويق.
إن حماية الإعلام تبدأ من احترام المهنة، وعدم منح الألقاب جزافًا، وتعزيز ثقافة الإفصاح عن المحتوى الإعلاني، حتى يبقى المتلقي على بينة، وتبقى الثقة قائمة بين الإعلام والجمهور.
وفي النهاية…
لن يخلّد التاريخ عدد الإعلانات التي نشرها أحد، لكنه سيخلّد الكلمة الصادقة، والموقف الشريف، والمهنية التي لم تُشترَ بالمال.
فالإعلام الحقيقي لا يقف عند عدد المتابعين، بل يبدأ عندما تصبح الحقيقة أغلى من المقابل، والرسالة أكبر من الشهرة، والضمير أقوى من الإغراء.
لأن الإعلامي قد يخسر إعلاناً إذا تمسك بمبدئه… لكنه لن يخسر احترامه. أما من باع صوته لقاء المال، فقد يربح صفقةً اليوم، لكنه يخسر ثقة الجمهور إلى الأبد.