
بقلم: د. وسيلة محمود الحلبي
تؤكد التجارب العالمية أن أفضل وسيلة لمكافحة الاتجار بالأشخاص ليست العقوبات وحدها، بل الوقاية قبل وقوع الجريمة. فكل إنسان يعرف حقوقه، ويدرك أساليب الخداع، ويستطيع التمييز بين الفرص الحقيقية والوعود الكاذبة، يصبح أقل عرضة للوقوع في شباك المتاجرين بالبشر.
ومن هنا تبدأ المسؤولية الكبرى للأسرة.
فالأسرة ليست مجرد مكان للعيش، بل هي المدرسة الأولى التي تغرس الثقة والحوار والوعي. وعندما يعتاد الأبناء على مصارحة والديهم، وطلب المشورة قبل السفر أو قبول وظيفة أو التعامل مع جهات مجهولة، فإنهم يحمون أنفسهم من كثير من المخاطر.
كما أن غرس قيمة كرامة الإنسان في نفوس الأطفال والشباب يجعلهم أكثر قدرة على رفض أي شكل من أشكال الاستغلال أو الإكراه أو الإذلال، وأكثر استعدادًا لطلب المساعدة عند الشعور بالخطر.
ويأتي بعد ذلك دور الإعلام، الذي لم يعد ناقلًا للأخبار فحسب، بل أصبح شريكًا في بناء الوعي وصناعة الثقافة المجتمعية. فالإعلام المسؤول لا يكتفي بتغطية الجرائم بعد وقوعها، بل يعمل على كشف أساليب العصابات، وتوعية المجتمع بمؤشرات الخطر، وتصحيح المفاهيم الخاطئة، وإبراز الجهود الوطنية المبذولة لحماية الإنسان.
كما أن وسائل التواصل الاجتماعي، رغم فوائدها الكبيرة، قد تتحول إلى بوابة يستغلها المجرمون لاستدراج الضحايا عبر الإعلانات الوهمية، أو عروض العمل المضللة، أو الحسابات المزيفة. ولهذا فإن التربية الرقمية أصبحت اليوم ضرورة لا تقل أهمية عن التربية الأخلاقية.
ولا تقتصر المسؤولية على الأسرة والإعلام، بل تشمل المدارس والجامعات، ودور العبادة، ومؤسسات المجتمع المدني، وأصحاب العمل، وكل من يسهم في بناء وعي الإنسان وحماية حقوقه.
وفي المملكة العربية السعودية، تتكامل جهود الجهات الحكومية والمؤسسات المجتمعية والإعلامية في نشر ثقافة الوقاية، وتعزيز احترام حقوق الإنسان، وترسيخ قيم العدالة، بما ينسجم مع رؤية وطنية تؤمن بأن الإنسان هو أغلى ثروة، وأن صون كرامته واجب لا يقبل التهاون.
إن الجريمة تبحث دائمًا عن بيئة يسودها الجهل، أما الوعي فهو الحصن الذي تتحطم عليه مخططات المجرمين. وكل كلمة توعوية صادقة، وكل رسالة إعلامية مسؤولة، وكل أسرة واعية، تمثل لبنة في بناء مجتمع يحمي أفراده قبل أن يحتاج إلى إنقاذهم.
ولعل أعظم رسالة يمكن أن نغرسها في نفوس أبنائنا هي أن كرامة الإنسان ليست قابلة للمساومة، وأن الحرية حق، والاستغلال جريمة، والصمت عنها مشاركة غير مباشرة في استمرارها.
كاتبة ومستشار إعلامي
سفيرة الإعلام العربي
مسؤولة الإعلام بجمعية كيان للأيتام ذوي الظروف الخاصة






