
الدريشة، أو النافذة كما تُعرف في بعض المناطق، قد تبدو للوهلة الأولى مجرد تفصيلة معمارية في الجدار، لكنها في الحقيقة رمزٌ أكبر من ذلك بكثير. إنها مساحة للرؤية العالم وتبادل الآراء للحرية، وللتواصل غير المباشر مع الخارج .
من وجهة نظري، للدريشة دورٌ مهم في حياتنا اليومية، فهي تُدخل النور والهواء، وتمنحنا شعورًا بالانفتاح. ولكن البعض قد يرى أن الدريشة مجرد وسيلة تهوية أو عنصر تصميم لا أكثر. وهذا رأي نحترمه، لأن لكل شخص طريقته الخاصة في النظر إلى الأشياء.
هناك من يعتبر الدريشة وسيلة للتأمل، مكانًا يهرب إليه من صخب الحياة، وهناك من يراها طريقًا للتواصل الصامت مع الجيران والمارة، بينما قد يفضل آخرون إغلاقها طلبًا للخصوصية والهدوء. وكل هذه الآراء صحيحة، لأنها تعكس اختلاف التجارب والاحتياجات بين الناس.
ففي بعض البيوت، تُفتح الدريشة على حديقة، وفي بعضها الآخر تُطل على شارع مزدحم أو حتى على جدار بيت آخر. ومع ذلك، يظل وجودها مهمًا، لأنها تمثل فكرة الانفتاح: أن يكون لك حق في أن ترى وتُرى، أن تختار متى تفتحها ومتى تُغلقها، وهذا جوهر التفكير الديمقراطي — حرية الاختيار.
وحين نتأمل “الدريشة” في تفاصيلها البسيطة، قد لا يخطر ببالنا أنها تحوي أبعادًا اجتماعية وثقافية وإنسانية عميقة. لكنها، رغم صمتها، كانت ولا تزال وسيلة للتعبير، للرؤية، وللتواصل بين الإنسان والعالم الخارجي. وفي مجتمعٍ يحترم الرأي والرأي الآخر، مثل المجتمعات التي تسعى نحو الديمقراطية، لا بد أن نتوقف عند رمزية “الدريشة” كأداة للتفاعل والتفاهم.
رؤية شخصية… واحترام للرؤى الأخرى
شخصيًا، أرى أن “الدريشة” تحمل بعدًا رمزيًا يعكس احتياج الإنسان للانفتاح. فهي لا تُبنى في الجدران عبثًا، بل تُركت عمدًا لتمنحنا القدرة على النظر إلى ما وراء أنفسنا. ومع ذلك، هناك من يفضل أن تبقى الدريشة مغلقة، لاعتبارات تتعلق بالخصوصية أو بالأمان أو حتى بالراحة النفسية. وهذا رأي يجب احترامه. فالديمقراطية الحقيقية لا تعني فرض وجهة نظر واحدة، بل تعني خلق مساحة نستمع فيها لبعضنا البعض، ونفهم أن ما يناسبني قد لا يناسب غيري.
وقد كانت الدريشة في البيوت القديمة،
ملتقى صغيرًا بين أفراد المجتمع. تطل منها امرأة تنادي جارتها، أو طفل يراقب الطريق، أو شيخ يتابع أخبار الحي. أما اليوم، ومع تغير أنماط الحياة، أصبحت الدريشة في بعض البيوت مجرد ديكور لا يُفتح كثيرًا، بسبب المكيفات أو تصاميم المباني الحديثة. ومع ذلك، لا يزال البعض يحرص على فتح الدريشة يوميًا، ولو لعدة دقائق، ليدخل نور الشمس أو صوت العصافير.
وهنا يبرز جانب آخر من التفكير الديمقراطي: حق الفرد في اختيار نمط حياته، سواء أراد العيش في بيت مليء بالنوافذ أو في مكان مغلق أكثر خصوصية.
وفي التراث الشعبي، كثيرًا ما كانت الدريشة تلعب دورًا في القصص والحكايات. الشاعر قد يُلهمه وجه حبيبته المُطل من النافذة، أو قد تبدأ حكاية حب بنظرة عابرة من نافذة منزل. حتى في الأغاني الخليجية، كثيرًا ما يُذكر “الشباك” أو “الدريشة” كرمز للشوق والمراقبة والحنين.
وهذا يجعلنا نتساءل: هل يمكن للدريشة أن تكون وسيلة للحوار؟ أليست مثلها مثل المنصات اليوم، تسمح بالتعبير والمراقبة والتفاعل؟ الفرق فقط أن الدريشة كانت قديمًا مادية، واليوم أصبحت “افتراضية”، على شكل شاشات نُطل بها على العالم.
واليوم تمثل الدريشة مساحة للتأمل الشخصي. كم مرة جلسنا بجوار نافذة لنفكر؟ أو لنكتب؟ أو لنسأل أسئلة عن الحياة والمستقبل؟ كثير من الأدباء والفنانين ألهمتهم النوافذ، ومنهم من وصفها بأنها “أجمل مكان للكتابة”. إنها توازن بين الخارج والداخل، بين الزحمة والسكون، بين الضوء والظل. وهذا التوازن هو ما تسعى له المجتمعات المتقدمة: التعايش بين الفرد والجماعة، بين الحرية والضوابط، بين الاختلاف والتفاهم. ففي المعمار، تُبنى الدريشة لتكون فتحة في الجدار. لكن في الفلسفة، لا شيء بريء من الرمزية، ولا شيء بسيط كما يبدو. فـ”الدريشة” قد تكون استعارةً عميقة لوعي الإنسان، ولعلاقته بالعالم من حوله. إنها، ببساطة، نقطة التقاء بين “الداخل” و”الخارج”، بين الذات والآخر، بين الأنا والعالم.
في كل دريشةٍ مفتوحة، هناك اعتراف ضمني بأن الإنسان لا يستطيع أن يعيش مكتفيًا بذاته. هذه النافذة الصغيرة، التي قد تبدو هامشية، تفضح هشاشتنا. فهي تذكرنا بأننا بحاجة إلى نورٍ يأتي من الخارج، إلى هواء غير مملوك لنا، إلى أصوات تُعلِمُنا أن الحياة مستمرة خارج حدودنا الشخصية.
لو نظرنا للحياة كأنها دريشة، فكيف نريد أن نُطل منها؟ هل نفتحها بالكامل ونستقبل كل شيء؟ أم نُبقيها مواربة نختار ما يدخل وما يخرج؟ في النهاية، القرار لنا. لكن الأهم أن نحترم قرارات الآخرين، وأن نمنح كل شخص حقه في أن يختار “متى” و”كيف” يفتح دريشته الخاصة.
في مجتمع ديمقراطي، حتى الأشياء البسيطة مثل “الدريشة” تصبح جزءًا من النقاش، والحوار، والتفكير. فهي ليست فقط وسيلة للرؤية، بل وسيلة لفهم الآخر، والتواصل معه، والتعايش معه رغم اختلافنا.
بقلم الكاتبة:نجاح لافي الشمري
الحدود الشمالية
رفحاء..
Najeh-000@






