صحة

الكوادر الصحية ومرضى الكلى في معادلة صناعة جودة الحياة 

 

وليد عبد الله

مراكز الغسيل الكلوي عموماً وفي القطاع الخيري الاجتماعي خصوصاً، تُعد نموذجاً فريداً للرعاية الصحية المستدامة، حيث يتجاوز دور الكوادر الصحية فيها المهام الإجرائية المعتادة داخل مقر العمل ليصل إلى مفهوم “الإدارة الذاتية للحالة الصحية” خارج مقر العمل. إن التحدي الحقيقي الذي يواجه الكوادر الصحية ومنها التمريض يكمن في تطوير أسلوب معيشة المريض خلال الـ156 ساعة أسبوعياً، التي يقضيها بعيداً عن أجهزة التنقية الدموية، وهي الفترة التي تشكل الاختبار الأكبر لمدى نجاح الخطة العلاجية.

ينطلق العمل التمريضي في مراكز الغسيل الكلوي من رؤية استراتيجية تهدف إلى تحقيق التكامل بين وضع المريض “كمتلقٍ للخدمة” داخل وحدة الغسيل الكلوي وكونه “شريكاً فاعلاً” في العملية العلاجية في حياته اليومية خارج الوحدة. إن الدور التوجيهي للممرض المتخصص يتضمن بناء تحالف علاجي متين، يرتكز على تزويد المريض بالأدوات المعرفية اللازمة لإدارة حياته اليومية. مما يساهم بشكل مباشر في رفع جودة الحياة وخفض معدلات الانتكاسات الصحية التي قد تؤدي إلى دخول الطوارئ.

ومن أولوياتنا كأهم المحاور التي يجب مشاركة المريض في اتخاذ القرار بشأنها وبدء التحكم بها هي المحاور التالية:

أولاً: مفهوم الوزن الجاف والتحكم بالسوائل:

تمثل إدارة السوائل لدى مرضى الفشل الكلوي أحد أدق الجوانب الفنية في الرعاية المنزلية، وهنا يبرز دور التمريض في تقديم شروحات توعوية دقيقة تساعد المريض على موازنة مدخلاته من السوائل بما يتوافق مع قدرة عضلة القلب وكفاءة جلسة التنقية الدموية. عبر تعليم المريض مهارات المراقبة الذاتية للوزن والضغط، مما يضمن استقرار الحالة الصحية وتجنب الإجهاد القلبي الوعائي أثناء الجلسات.

فيجب أن يعي المريض أن الوزن الجاف (Dry Weight) هو وزنه عندما يكون خاليا من السوائل الزائدة التي تراكمت بعد الجلسة السابقة، وفي الحالة التي لا يعاني فيه من ارتفاع أو انخفاض الضغط أو أي مضاعفات كالشد العضلي أو الهبوط أو الدوخة أو القئ، ولا يعاني من تورم القدمين أو الساقين أو مشاكل في التنفس

وإنطلاقا من حساب الوزن الجاف (القابل للتغير ارتفاعا أو نزولا ) يجب أن يتحكم المريض بالسوائل المُدخلة حتى لا يزيد الوزن بالشكل الذي يشكل عبئين، أولهما: حتى يحين موعد الجلسة القادمة على شكل صعوبة في التنفس والإحساس بالامتلاء وغيرها من أعراض احتباس السوائل، وثانيهما: أثناء الجلسة القادمة حيث أنه سيتوجب إزالة السوائل الزائدة خلال فترة محدودة(4ساعات) ولكن مع ضوابط وحدود قصوى في عملية السحب تستند إلى كتلة الجسم وحالة القلب والدورة الدموية، لذا فالتحكم في كمية السوائل في الفترة بين جلستي الغسيل الكلوى هو أمر بالغ الأهمية.

ثانيا: الرقابة الغذائية كأداة للوقاية السريرية

تعتبر التوعية الغذائية حجر الزاوية في رعاية مريض الكلى، خاصة فيما يتعلق بضبط مستويات البوتاسيوم والفوسفور. إن التدخل التمريضي في هذا الجانب يتجاوز حدود التثقيف التقليدي إلى تقديم حلول عملية لممارسات التغذية اليومية التي تحمي المريض من مخاطر الاضطرابات الأيونية الحادة بمعرفة المسموح وكمياته والممنوع من الأطعمة والمشروبات. إن هذا الالتزام المهني يعكس حرص المؤسسة الخيرية على تقديم رعاية شاملة تضمن الأمان الحيوي للمريض في منزله تماماً كما هو الحال داخل المركز.

ثالثا: العناية بالمنفذ الدموي (Vascular Access)

كما هو معلوم لمريض الغسيل الكلوى الدموي وأسرته فإن الوصلة الوريدية أو القسطرة المركزية هي النافذة التي تصل جسمه بجهاز الغسيل الكلوي، لذا فهي له بمثابة نافذة على الحياة وعليه الاعتناء بها بالشكل المناسب، ولكل من النوعين أسلوب وطريقة خاصة في الرعاية وفي أسلوب المعيشة بما يؤثر على المنفذ، حيث يجب عليه توخى الحذر مثلا بعدم حمل أي أوزان أو أثقال باليد الموجود بها الوصلة الوريدية (AVF or AVG) والحرص على عمل ما يلزم لمنع الاستلقاء والنوم على هذا الجانب وكذلك بالنسبة للمريض مع قسطرة مركزية سواء كانت (Permi.Cath.) أو (Temp.Cath.) فانه يجب ملاحظتها والحفاظ عليها وعلى ضماداتها المعقمة سليمة ونظيفة والحرص على عدم التعرض للبلل أثناء الاستحمام أو حتى التعرق الزائد. وغير ذلك من تفاصيل هامة.

إن الاستثمار في الكوادر التمريضية كمساهمين في رفع الوعي الصحي للمرضى وذويهم هو استثمار في جودة العمل الصحي نفسه. فعندما ينجح الممرض في أداء دوره كمدرب وموجه، فإننا لا نحقق التميز المهني فحسب، بل نعظم الأثر الاجتماعي والصحي، ونرسخ معايير الجودة التي تليق بالمستفيدين.

*مشرف التمريض بمركز هشام عطار للغسيل الكلوي التابع لجمعية البر بجدة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى