مقالات وشعر

صورني وكأني ما دريت.. عندما تتحول العفوية إلى عرض مسرحي

بقلم: عبدالعزيز عطيه العنزي

في عالم التواصل الاجتماعي لم تعد الكاميرا مجرد وسيلة لتوثيق اللحظات، بل أصبحت أداة لصناعة المشاهد وإعادة تشكيل الواقع وفق ما يحقق الانتشار والتفاعل. ومن أكثر الظواهر التي انتشرت في السنوات الأخيرة ما يمكن تسميته بثقافة “صورني وكأني ما دريت”، حيث يظهر الشخص في صورة أو مقطع فيديو وكأنه يعيش لحظة عفوية، بينما تكون تفاصيل المشهد قد أُعدت بعناية مسبقًا.

هذه الظاهرة لم تعد تقتصر على المؤثرين والمشاهير، بل امتدت إلى مختلف الفئات العمرية، وأصبحت جزءًا من السلوك اليومي لدى كثير من مستخدمي المنصات الرقمية. مشاهد السير العابر، والنظرات البعيدة، والابتسامات المفاجئة، وحتى بعض لحظات الحزن أو التأمل، أصبحت تُقدَّم وكأنها أحداث تلقائية رغم أن الكاميرا كانت حاضرة قبل وقوعها.

ومع مرور الوقت تحول المحتوى من مشاركة الحياة إلى استعراضها، ومن توثيق الواقع إلى إنتاج نسخة محسنة منه. وأصبح بعض المستخدمين يقيسون نجاحهم بعدد الإعجابات والمشاهدات، فيسعون إلى صناعة صورة مثالية قد لا تعكس حقيقة حياتهم اليومية.

ولا تكمن الإشكالية في التصوير أو صناعة المحتوى بحد ذاتها، بل في الفجوة التي تتسع بين الواقع والصورة المعروضة للجمهور. فالمتابع يرى النتيجة النهائية فقط، ولا يرى ساعات الإعداد أو الترتيب أو التعديل التي سبقت نشر المحتوى.

ويبقى السؤال الأهم: هل ما نشاهده على الشاشات يمثل الحياة كما هي، أم أنه مجرد عرض مسرحي متقن الإخراج؟

في زمن أصبحت فيه الكاميرا حاضرة في كل مكان، تبقى العفوية الحقيقية أكثر ندرة، والمصداقية أكثر قيمة من أي عدد من الإعجابات أو المشاهدات.عبدالعزيز عطية العنزي
رئيس مجموعة الغد الإعلامية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى