
سعد نمنكاني-المدينة المنورة
صدر عن مركز الأدب العربي لعام 1443هـ مجموعة نصوص أدبية بعنوان “غيابك غربتي” للكاتبة السعودية سماح خشيم. هذا الكتاب ليس مجرد نصوص نثرية، بل هو مساحة فنية تعكس حيرة الإنسان الحديث في أرقى صورها، حيث يبلغ الصراع بين الحب والكرامة أوجه في كل زاوية من زوايا هذا العمل.
تتميز نصوص الكتاب بكونها نثرية ذات إيقاعية عالية، نابعة من الموسيقى الداخلية التي تخلقها الكاتبة عبر تراكيبها المتدفقة. وتدور الفكرة المركزية للكتاب حول حالة المقاومة الداخلية لدى المحب، بين القوة والضعف. ففي لحظات التماسك والكبرياء، تصور الكاتبة محاولة إخفاء جنون عاطفتها، كما ورد في قولها:
“كل تلك الفوضى / فقط حين سلم / ثم اختبأت خَلفَ ابتسامتها / حتى لا تُجَنِّ أَمَامَهُ وَيَعْلَم”.
هنا، تتحول الابتسامة إلى فعل مقاومة لحماية الذات من الانهيار أمام قوة الحب الجارفة.
لكن الكفة غالبًا ما تميل لصالح العاطفة، حيث تعلن الكاتبة انتصار الحب، كما في عبارة “لم يعد سرا فقد أخبرته”، إشارة إلى الإفصاح عن الحب بعد فترة من الكتمان.
رمزية الصراع والأنفاس
يبلغ الصراع الداخلي ذروته في نص بعنوان “كيف استطاع؟”، حيث تشرح الكاتبة هذا التنازع بين قطبين:
“كيف استطاع؟! / أن يخلق يومياً ذلك الصراع داخلي. / بين عقلي وقلبي…. / فتهرب أنفاسي.. بعدها… عبر الشرايين. / لتجد نفسها أكسجيناً لرئتيه”.
هنا، يُصرح بوجود “الصراع الداخلي بين العقل والقلب”، لكن القلب ينتصر سريعاً بتحويل الأنفاس – رمز الحياة – إلى أكسجين للمحبوب. ومن الملفت أن لفظة”الأنفاس” حاضرة بشكل لافت في نصوص الكاتبة، دلالة على مدى تعلقها به وربط وجودها بوجوده.
كسر أفق التوقع
ما يميز بعض النصوص هو قدرة الكاتبة على كسر أفق توقع القارئ، وتظهر هذه التقنية بوضوح في نص “هنا”. فبعد سرد متصاعد لقصة تفانٍ وبذل في مقابل التجافي والتجريح من المحبوب:
“قتلني / ومن الجراح شفيته / ثم قتلني. / وأحييته”،
تأتي الخاتمة بشكل مفاجئ لتعيد للمحبة كرامتها، فتقول:
“فقتلني للمرة الأخيرة / ونسي أن بقلبي نبضه / فقتلته…”.
هذا التحول المفاجئ يعكس رفضًا للخضوع التام وانتصارًا للذات في اللحظة الأخيرة.
الغياب والغربة الروحية
يُعد “الغياب” و”الغربة” المحور الذي يدور حوله العمل بأكمله. فالغياب ليس مجرد ابتعاد مكاني، بل هو غربة روحية عميقة تجعل المحب يشعر وكأنه بلا وطن، باعتبار أن الحبيب هو الوطن. يظهر هذا بوضوح في تكرار حالة “جنون الأنفاس” عند غياب المحبوب، كما في قولها:
“لا أتنفس / وروحي تجن في غيابك / إن لم تكن / على أخبارك تتجسس”.
إن الحضور في معظم نصوص الكاتبة مرتبط بالفعل الماضي ومن ذلك نص “كان هنا”، مما يؤكد أن المحبوبة تعيش على ذكرى ماضٍ جميل، وأن حالة الغياب هي واقعها الحالي.
“غيابك غربتي” هو عمل أدبي يعمق مفهوم الحب في زمن الحيرة، ويؤكد أن أرقى مراحل الصدق في العاطفة هي حينما تتصارع مع الكبرياء، لتنتصر في النهاية للبوح الصادق.






