
✍ابراهيم النعمي
في العلاقات الإنسانية، هناك حقيقة مؤلمة كثيرًا ما يتم تجاهلها: الناس قد يعتادون على عطاءك، لا بل يتوقعونه منك دومًا، حتى يصبح وجودك مرادفًا للمنح، لخدمة الآخرين، ولتحمّل ما لا يُطاق… بصمت.
لكن ماذا يحدث عندما يتوقف هذا العطاء؟
عندما تشعر بالإرهاق؟
عندما تحتاج ببساطة لأن تلتقط أنفاسك؟
للأسف، كثيرون يظنون أن هذا التوقّف تحوّل، أو تغيّر، أو حتى أنانية.
لا يرون أن ما كنت تمنحه من وقتك، جهدك، واهتمامك… لم يكن واجبًا مفروضًا، بل عطاءً طوعيًا نابعًا من قلبك.
الذين يحبونك حقًا، سيفهمون أن التوقف عن العطاء لا يعني التوقف عن الحب،
بل هو لحظة من التقدير للذات، للحفاظ على التوازن الداخلي،
هو اعتراف صادق بأنك إنسان، لا آلة.
العطاء دون حدود، حتى لو انطلق من نية صافية، يتحوّل بمرور الوقت إلى عبء.
ومن المؤلم أن يتحوّل ما كان يومًا نُبلًا إلى واجب، والواجب إلى استنزاف.
كم من الطيّبين في هذا العالم، أُرهقوا من كثرة ما أعطوا؟
كم من الأوفياء كُسروا لأنهم صمتوا طويلًا، وظنّ من حولهم أن صمتهم رضا؟
وكم من المُحبّين اتُّهموا بالجفاء، فقط لأنهم تراجعوا خطوة… ليحموا أنفسهم؟
إن وضع حدود واضحة منذ البداية ليس أنانية، بل ضرورة.
هو احترام للذات، وللآخر في آنٍ معًا.
لأن العلاقة التي لا تُبنى على التقدير المتبادل، تُصبح علاقة استغلال مغلّف بالعاطفة.
فالخدمة والعطاء والكرم صفات نبيلة،
لكن عندما تأتي على حساب سلامك النفسي، فإنها تتحوّل إلى ظلم للذات.
وحين تظلم نفسك باستمرار، لا تتوقّع من الآخرين أن ينصفوك.
تذكّر دائمًا:
من لا يرى عطائك إلا حين ينقطع، لم يكن يومًا يستحقه.
ومن يُحبّك حقًا، لن يُحاسبك إذا توقفت لتُحب نفسك قليلًا.






