
بقلم الكاتبة:نجاح لافي الشمري
الحدود الشمالية: رفحاء..
في التاسع عشر من أكتوبر، لم تكن الرحلة مجرد انتقال جسدي من مكان إلى آخر، بل كانت عبورًا هادئًا بين طبقات الوعي، وملامسة خفية لتلك المناطق العميقة في الروح التي لا يكشفها ضوء النهار.
الرحلة بطبيعتها فعلٌ فلسفي. نحن لا نغادر فقط جغرافيا المكان، بل نغادر أنفسنا القديمة. في كل خطوة نخطوها بعيدًا عن روتيننا، هناك أنا جديدة تُولد، تسائل، تتأمل، تُراجع، وربما -في لحظة نادرة- تُصالح.
في صباح ذلك اليوم، كان الطريق بسيطًا، والسماء صافية. لا شيء خارق للعادة، لكن كل شيء بدا مختلفًا. وكأن الهدوء كان يمهد لميلاد فكرة، أو لمصالحة داخلية لم أكن أعلم أنني بحاجة إليها. هذا هو سحر الرحلات الصامتة: أنها تُوقظ فينا أشياء لا يمكن أن نستدعيها بالكلمات.
من منظور حضاري، كانت الرحلات عبر التاريخ وسيلة الإنسان لاكتشاف الآخر، ولكنه في النهاية كان يكتشف نفسه. سقراط لم يغادر أثينا كثيرًا، لكنه قال: “اعرف نفسك”. وربما الرحلة في 19 أكتوبر كانت امتدادًا لهذا السؤال الأزلي: من أنا؟
عندما نغادر المألوف، نبدأ بملاحظة التفاصيل التي نتجاهلها كل يوم: أصوات الطبيعة، صمت المدن، نظرات الغرباء، وحتى ترددات قلوبنا. في تلك اللحظة، تصبح الرحلة مرآة. ومن يتأمل في المرآة بصدق، لا يعود كما كان.
لم يكن التاريخ عابرًا. التاسع عشر من أكتوبر لم يكن مجرد رقم في التقويم، بل كان لحظة زمنية تشبه النقطة في نهاية جملة طويلة. فيها توقفنا، لا لنُنهي، بل لنفهم. كأن الرحلة كانت اتفاقًا غير معلن مع الزمن: أن نمشي معًا، ببطء، لنصغي إلى ما يهمّ حقًا.
حين دوّن التقويم “19 أكتوبر”، بدا التاريخ وكأنه مجرد رقم. لكنه، لمن يتفكر، ليس كذلك. الزمن ليس تسلسلًا للأيام، بل طيٌّ داخلي للذات. كل لحظة نحياها بحق، تحمل قوة تشكّلنا. والرحلة في هذا اليوم لم تكن حدثًا عابرًا، بل لحظة سُمِح فيها للزمن أن يُحدث فعله في أعماقنا، لا على ساعاتنا.
هنا نستحضر “برغسون” حين فرّق بين الزمن الميكانيكي والزمن الحقيقي – زمن الوعي. فما نعيشه في رحلة قصيرة قد يعادل عمرًا بأكمله إذا عُشناه بكثافة شعورية صادقة. الرحلة كانت لحظة تمدد فيها الزمن إلى ما وراء القياس، وسمح للداخل أن يتكلم.
ونعم، الرحلة خيانة. خيانة للروتين، للعادات، للنسخة التي ألفناها من أنفسنا. لكنها أيضًا وفاء. وفاء للنزعة العميقة في الإنسان نحو البحث، التوق، الانعتاق. إنها المفارقة: نحن نخون لنكون أوفياء. نغادر لنعود حقًا. نضيع لنجد أنفسنا.والطريق ليس وسيلة… بل غاية
غالبًا ما يُنظر إلى الطريق كوسيلة للبلوغ. لكن في فلسفة الوعي، الطريق هو التجربة ذاتها، وليس مجرد ما يقود إليها. “الرحلة” لا تكتسب معناها من وجهتها، بل من ما تكشفه في الطريق. ولعلّنا هنا نستحضر قول “لاوتسه”:
“المسافر الجيد لا يملك خططًا ثابتة، ولا يرغب في الوصول.”
وهكذا كانت رحلتنا. لم تكن بحثًا عن مكان خارجي، بل عن مكان داخلي، لم نعرف اسمه، لكننا شعرنا به يتنفس فينا شيئًا فشيئًا كلما ابتعدنا عن الضجيج.
العودة: هل نعود؟
وحين انتهت الرحلة، بدا لنا أننا “عدنا”، لكن الحقيقة أن العودة مستحيلة. لأن من يعود ليس هو من ذهب. لقد تبدّل شيء، ولو كان بسيطًا. وربما هنا تتجلى الفكرة النيتشوية عن “العود الأبدي” – لا بمعنى تكرار الأحداث، بل تكرار الوعي بها. كل لحظة نعود فيها إلى أنفسنا، نكون قد أعدنا اكتشافها بشكل جديد.
وحين عدنا، بدا كل شيء كما تركناه، ولكن بشيء من الغرابة. الأشياء كما هي، ولكن نظرتنا إليها تغيّرت. وهذا هو جوهر الرحلة: أنها لا تغيّر العالم، بل تغيّرنا نحن، فتجعلنا نراه بعيون أخرى.
لعل هذا ما قصده نيتشه حين قال: “من ينظر طويلًا إلى الهاوية، فإن الهاوية تنظر إليه أيضًا.” ونحن في رحلتنا، نظرنا في دواخلنا، فانعكست علينا. وربما لم تكن الرحلة سوى لقاء عميق بين الإنسان وذاته، في حضرة الزمان والمكان، يوم 19 أكتوبر.






