
الرياض /الاعلامية نورة السبيعي
أصبح من الواضح اليوم أن كثيراً من الشباب والفتيات، وحتى الموظفين، يبحثون عن مصدر دخل إضافي يساعدهم على تلبية متطلبات الحياة. لكن عند محاولة الدخول في أي عمل جانبي، تظهر مشكلة حقيقية تتكرر: غياب المهارة العملية التي يمكن الاعتماد عليها. فالسوق يحتاج، والفرص موجودة، لكن من يملك الصنعة القابلة للتطبيق على أرض الواقع شبه معدوم.
إن الحديث عن التوطين لا يمكن أن يختزل في توظيف المواطن داخل منشأة فحسب، بل يبدأ من تمكينه ليكون منتجاً بيده قبل أن يكون موظفاً بعقله. فالدول التي نجحت في بناء اقتصادات متينة لم تعتمد فقط على الشهادات، بل على المهارات الحقيقية التي تُمارس وتُتقن، على الحدّاد الذي يعرف قيمة الحديد، والنجّار الذي يفهم الخشب، والفني الذي يرى في العطل فرصة، لا عائقاً. هذه المهن ليست هامشية كما يُظن، بل هي عمود اقتصادي صامت يُبنى عليه الكثير من النشاط التجاري والخدمي.
الإشكالية اليوم ليست في غياب الجهات، بل في طبيعة الحلول المقدمة. فالمؤسسات الرسمية، رغم دورها، لا تستطيع وحدها سد الفجوة، لأنها غالباً تعمل ضمن أطر تنظيمية لا تواكب سرعة الاحتياج الفعلي في السوق. ما نحتاجه هو نموذج مختلف، أكثر مرونة وواقعية، يقوم على برامج تدريبية تطبيقية مدفوعة ومدعومة، تُدار بعقلية السوق لا بعقلية المنهج، وتُقدم للشباب والفتيات كفرص حقيقية لبناء دخل إضافي، وليس مجرد شهادات تُعلّق.
إن تفعيل هذه البرامج من قبل جهات داعمة، سواء كانت شركات كبرى أو مؤسسات تنموية أو حتى رجال أعمال، سيُحدث تحولاً نوعياً في مفهوم العمل. فبدلاً من انتظار الوظيفة، سيصبح لدى الفرد خيار أن يُنتج، أن يُصلح، أن يُصنّع، أن يقدّم خدمة يحتاجها المجتمع بشكل يومي. وهنا يتحول الاقتصاد من استهلاكي يعتمد على الاستيراد والخدمات الخارجية، إلى اقتصاد يُعيد تدوير القيمة داخل حدوده.
كما أن هذا التوجه لا يحقق فقط جانباً اقتصادياً، بل يعالج بعداً اجتماعياً عميقاً، إذ يعيد الاعتبار لقيمة العمل اليدوي، ويكسر الصورة الذهنية السلبية المرتبطة به، ويزرع في الأجيال القادمة مفهوماً مختلفاً عن الكرامة المهنية، حيث لا يُقاس الإنسان بمسمى وظيفي، بل بقدرته على الإنتاج والاستقلال.
لقد كتبنا كثيراً عن التوطين، ورفعنا شعاراته، لكن الحقيقة التي لا تقبل التأجيل أن التوطين لا يُفرض بالأنظمة وحدها، بل يُبنى من الداخل، من مهارة الإنسان، من قدرته على أن يكون جزءاً فاعلاً في دورة الاقتصاد. حين نُمكّن اليد، نكون قد وضعنا أول حجر حقيقي في طريق التوطين، وما دون ذلك سيبقى مجرد محاولات تدور في ذات الدائرة دون أن تصنع الفارق.
المرحلة القادمة تتطلب شجاعة في الطرح وصدقاً في التنفيذ، لأن بناء الإنسان لم يعد خياراً تنموياً، بل هو أساس كل تنمية حقيقية.






