ثقافة

الفنانة التشكيلية مريم الشملاوي: الفن لغة إنسانية تمنح المشاعر صوتًا وتتجاوز حدود الكلمات

ماهر طلعت

مريم الشملاوي فنانة تشكيلية سعودية، تحمل درجة الماجستير في الإدارة العامة، كما درست الفيزياء وإدارة الأعمال والدراسات المتخصصة في قيادة المرأة الإدارية. ورغم ذلك ظل الفن دائماً الأقرب إلى روحها والأكثر قدرة على التعبير عن ذاتها.

بنت تجربتها الفنية من خلال الدورات المتخصصة والممارسة المستمرة والبحث والتجربة، وهي رحلة ما زالت مستمرة حتى اليوم.

وتنتمي الشملاوي إلى المدرسة التعبيرية لأنها تمنحها مساحة واسعة للتعبير عن المشاعر الإنسانية وما يجول في النفس من أحاسيس يصعب أحياناً ترجمتها بالكلمات. وتركز أعمالها بشكل خاص على المرأة وما تمر به من تحولات نفسية ووجدانية وتجارب إنسانية مختلفة، تعبر عنها من خلال اللون والرمز والتكوين، في محاولة لإيصال إحساس يتجاوز الشكل الظاهري إلى العمق الإنساني.

انعكاس البيئة والمجتمع على التجربة الفنية

 

تؤمن الفنانة مريم الشملاوي أن الفنان لا يعيش بمعزل عما يدور حوله من أحداث مجتمعه، بل يتأثر بكل ما يراه في بيئته المحيطة ويعيشه ويشعر به، حيث تستقر هذه التفاصيل في الذاكرة والوجدان ثم تظهر على سطح اللوحة بصورة مختلفة.

وتستلهم الكثير من التجارب الإنسانية اليومية، ومن المشاعر التي تجمع البشر، ومن قصص النساء على وجه الخصوص، لما تحمله من قوة وعمق وتناقضات إنسانية ثرية.

ولا ترسم الأشخاص كما يبدون من الخارج، بل تحاول أن ترسم ما يشعرون به في الداخل، لذلك تتجسد في أعمالها حالات شعورية من الحزن والفرح والأمل والقوة والانكسار، وتظهر تفاصيل البيئة والمجتمع من خلال الوجوه والنظرات والألوان والانفعالات.

ومن خلال ذلك تتشكل الحكاية وتأثيرها مرسومة وحاضرة في نظرة عين، أو اختيار لون، أو حتى في ذلك الصمت الذي تحمله اللوحة وتترك للمتلقي مساحة لاكتشافه وتأويله بطريقته الخاصة.

رسالتها الفنية

تسعى الشملاوي إلى إيصال رسالة إنسانية تسمو بالمشاعر الداخلية للإنسان، وتؤمن بأن الفن لغة عالمية قادرة على ملامسة الروح وإثارة التأمل.

ومن خلال لوحاتها تؤكد أن القوة الحقيقية تبدأ من فهم الإنسان لمشاعره والتصالح معها، ومن ثم فهم الآخر، فتمنح بفرشاتها للمشاعر صوتاً وتتيح للأحاسيس مساحة للظهور.

كما تسعى إلى إبراز عمق التجربة الإنسانية والاحتفاء بالمرأة بوصفها كائناً مليئاً بالتناقضات الجميلة والقوة الكامنة، إذ تتحدث كثير من أعمالها عن المرأة ليس كشكل فقط، بل كروح تحمل الحب والصبر والخوف والأمل والتناقضات التي تجعلها أكثر عمقاً وجمالاً وسمواً.

الفن والتكنولوجيا

ترى الفنانة أن التكنولوجيا الحديثة فتحت أبواباً واسعة أمام الفنانين لتبادل الخبرات والثقافات، ومنحتهم أدوات جديدة للتعلم والتواصل والانتشار، كما أتاحت آفاقاً مبتكرة في إنتاج الأعمال الفنية وتوثيقها والتعريف بها، وسهلت الوصول إلى جمهور أوسع على المستوى المحلي والعالمي.

ومع ذلك تؤكد أن التكنولوجيا تظل وسيلة مساعدة وليست بديلاً عن الفنان نفسه، فهي قد تساعد على الانتشار وإبراز العمل، لكنها لا تصنع الموهبة ولا تمنح العمل روحه. فاستمرار الفنان ونجاحه يرتبطان أولاً بصدق تجربته وتميز رؤيته الفنية وحقيقة موهبته.

وتؤمن بأن جوهر العمل الفني يبقى مرتبطاً بالمشاعر الإنسانية والرؤية الخاصة التي يحملها الفنان، وهي أمور لا يمكن للتقنية أن تحل محلها.

الذكاء الاصطناعي والإبداع الفني

تعتبر الشملاوي أن الذكاء الاصطناعي يمثل فرصة كبيرة للفنان ووسيلة مساعدة إذا تم التعامل معه كأداة داعمة للإبداع وليس بديلاً عنه.

فهو يتيح للفنان استكشاف أفكار جديدة وتجربة حلول بصرية متنوعة والاطلاع على مصادر إلهام وأفكار متعددة في وقت قصير، كما يساعد في تطوير التصورات الأولية للأعمال الفنية، لكنه لا يستطيع أن يحل محل التجربة الإنسانية والشعورية العميقة التي يحملها العمل الفني الحقيقي المولد من روح الفنان وتجربته الإنسانية.

وترى أن الفن ليس مجرد لوحة أو عمل جميل، بل هو إحساس وتجربة ورؤية خاصة تنبع من الإنسان نفسه، مشيرة إلى أن اللوحة التعبيرية لا تقوم على الدقة البصرية فقط، بل على تجربة شعورية عميقة وإحساس عاشه الفنان ونقله إلى المتلقي.

وتؤكد أن هذه البصمة الإنسانية المتمثلة في الشعور والإحساس هي ما يمنح العمل الفني روحه الخاصة، وهي ما يميز الفنان عن أي أداة ذكاء اصطناعي، فالتقنية يمكن أن تساعد في تنفيذ الفكرة، لكن الإحساس الذي يقف خلفها سيبقى دائماً نابعاً من الإنسان.

وسائل التواصل الاجتماعي والفنان المعاصر

تصف الشملاوي وسائل التواصل الاجتماعي بأنها أصبحت جزءاً مهماً من حياة الفنان، فهي نافذة مهمة لعرض الأعمال الفنية وجسر مباشر بين الفنان والمهتمين بالفن، كما تتيح مشاركة التجربة الفنية وتفتح أبواب التواصل وتبادل الخبرات حول العالم والوصول إلى متلقين من مختلف الثقافات دون حدود جغرافية.

وترى أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت إلى حد كبير جزءاً أساسياً من نجاح الفنان المعاصر، كونها أداة مهمة في انتشار الفنان والتعريف بتجربته الفنية وبناء حضوره القوي والتسويق لأعماله.

إلا أنها تؤكد أن هذه المنصات لا تصنع فناناً حقيقياً ما لم يكن خلفها مشروع فني مميز وجودة في الأعمال الفنية المعروضة، إذ يجب أن يكون لدى الفنان محتوى يستحق أن يقدمه عبر المنصات ليرتقي باسمه ويضمن النجاح والاستمرارية.

بين المعارض التقليدية والمنصات الرقمية

تؤمن الفنانة بأن رؤية العمل الفني على أرض الواقع تجربة لا يمكن تعويضها، إذ يعيش المتلقي في المعرض التقليدي تجربة مباشرة مع العمل الفني، ويملك فرصة مشاهدة العمل والتفاعل معه بصرياً ووجدانياً والشعور بتفاصيله وحجمه وطاقته.

وفي المقابل توفر المنصات الرقمية انتشاراً أوسع وسرعة أكبر في الوصول إلى جمهور متنوع، لذلك ترى أن الفنان المعاصر يحتاج إلى الحضور في المساحتين معاً.

وتؤكد أن لكل منهما دوره، وأن التكامل بينهما يمثل الخيار الأمثل للفنان المعاصر.

المشاريع والطموحات المستقبلية

تعمل الشملاوي حالياً على مجموعة فنية جديدة تواصل استكشاف المشاعر الإنسانية وقضايا المرأة من خلال رؤية تعبيرية معاصرة، إلى جانب مشاركات في عدد من المعارض والفعاليات الفنية القريبة القادمة.

كما تطمح إلى إقامة معرض متكامل يعكس تجربتها الفنية ويقدم صورة عن الأحاسيس التي تمر بها المرأة والإنسان المعاصر من خلال أعمال تحمل تجربة بصرية وأبعاداً إنسانية وشعورية، وتحكي قصة رحلة من المشاعر والتجارب والبحث عن ذاتها والذات الأخرى.

رسالة إلى الفنانين الشباب ومحبي الفن

ترى الفنانة أن الفن الحقيقي يولد من الداخل، لذلك تدعو كل فنان إلى البحث عن بصمته الخاصة، مؤكدة أن الأمر قد يستغرق وقتاً لكنه يستحق، لأن أجمل ما في الفن أنه يمنح الإنسان فرصة لفهم نفسه والآخرين بشكل أعمق.

كما تشدد على أهمية الاستمرار في التعلم والتجريب وعدم التوقف عن المشاركة في المعارض والفعاليات الفنية، فكل تجربة تضيف إلى الفنان معرفة جديدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى