
الدكتور :رشيد بن عبدالعزيز الحمد
– في الوقت الذي تمضي فيه الرياضة السعودية بخطى واثقة نحو العالمية، يبقى السؤال الأهم: هل تصل فرص اكتشاف المواهب إلى كل شبر من هذا الوطن الكبير؟
قبل سنوات، كانت للأندية عيون لا تنام. كشافون يجوبون المدن والمحافظات والقرى، ويقفون على ملاعب المدارس والحواري، يبحثون عن الموهبة أينما كانت. لم يكن اللاعب هو من يبحث عن النادي، بل كان النادي هو من يبحث عن اللاعب. ومن تلك الجولات خرجت أسماء أصبحت لاحقًا من نجوم الكرة السعودية.
أما اليوم، فقد أصبح الاعتماد الأكبر على الأكاديميات، وهي بلا شك تجربة مهمة، لكنها لا تكفي وحدها. فليس كل موهوب قادرًا على الالتحاق بها، وليس كل أسرة تستطيع تحمل تكاليف التسجيل أو التنقل، كما أن كثيرًا من المواهب تعيش في مناطق بعيدة عن المدن الرئيسة.
وإذا كانت المملكة تمتد على مساحة شاسعة، فإن العدالة في اكتشاف المواهب تقتضي أن تمتد إليها أيضًا منظومة الاحتراف. فلا ينبغي أن تكون فرصة اللاعب مرتبطة بمكان إقامته أو قدرته المادية، بل بموهبته واجتهاده.
إن إعادة تفعيل منظومة الكشافين في جميع مناطق المملكة ليست عودة إلى الماضي، بل استجابة لاحتياجات الحاضر. فالكشاف المحترف لا يبحث عن لاعب جاهز، بل يلتقط مشروع نجم قبل أن يراه الآخرون، ويمنحه الطريق الصحيح نحو التطور.
كما أن ملاعب الحواري، والدورات الرياضية المنظمة، والبطولات المدرسية، ما زالت تزخر بالمواهب الخام التي تنتظر من يكتشفها. ولعل من المؤسف أن تضيع بعض هذه المواهب لأنها لم تجد من يدلها على الطريق، أو لأنها لم تستطع الوصول إلى الأكاديميات.
إن الاستثمار الحقيقي لا يبدأ عند توقيع العقد الاحترافي، بل يبدأ عندما نعثر على الطفل الموهوب في قرية نائية أو حي شعبي، ونوفر له الرعاية والتأهيل والفرصة. فكل موهبة تُكتشف مبكرًا هي مكسب لكرة القدم السعودية، وكل موهبة تضيع هي خسارة لا يمكن تعويضها.
واليوم، ومع الدعم الكبير الذي تحظى به الرياضة السعودية، تبدو الفرصة مواتية لإحياء منظومة الكشافين بأساليب حديثة، تعتمد على الكفاءة، والتقنيات، والتغطية الشاملة لجميع مناطق المملكة. فالدول التي تصنع الأبطال لا تنتظر أن تأتيها المواهب، بل تذهب إليها.
ولعل أجمل استثمار يمكن أن تقوم به الأندية والاتحاد السعودي لكرة القدم، ليس في البحث عن نجم جاهز، وإنما في اكتشاف النجم قبل أن يعرفه أحد.
فالموهبة لا تعرف الجغرافيا، لكنها تحتاج إلى عينٍ تراها، ومؤسسةٍ تحتضنها، ووطنٍ يؤمن بأن كل طفل موهوب يستحق فرصة عادلة.
ربما يكون نجم المنتخب السعودي القادم الآن في أحد ملاعب الحواري، لكن ما ينقصه ليس الموهبة… بل الكشاف الذي يراه.






