
بقلم: بسمه الشهري
في رحلة البحث عن الاستقرار وبناء “عش الزوجية”، يواجه شبابنا اليوم تحدياً لا يقل أهمية عن المهر نفسه؛ إنه تحدي “المصاريف الجانبية” التي تبتلع ميزانيات الزواج. لقد تحولت ليلة العمر في وعي الكثيرين من مناسبة اجتماعية لتوثيق رابطة مقدسة، إلى استعراض مكلف للمظاهر والكماليات التي لا تعود بالنفع لا على العريس ولا على العروس، بل تضعهم أمام ديون قد تستمر لسنوات.
“تحدي القصور”.. حين يصبح الزواج ميداناً للمنافسة
ما يفاقم هذه المعضلة هو ذلك الضغط الاجتماعي غير المنظور الذي يُمارس أحياناً بحسن نية من قبل الأمهات. ففي بعض الأوساط، يتحول زواج الابن إلى “ميدان منافسة” غير معلن؛ حيث ترغب الأم أحياناً في أن يكون حفل زواج ابنها “أفضل” من حفل زواج ابن “فلانة”. هذا التنافس الصامت يحول المناسبة من لحظة فرح إلى “تحدٍ” يُخاض على ظهر العريس، الذي يجد نفسه مجبراً على تبني خيارات باهظة لإرضاء معايير اجتماعية وهمية، لا لشيء إلا للحفاظ على المظهر العام.
إن هذه “الاستعراضية” تستهلك ميزانية الأسرة الناشئة، وتجعل بداية الحياة الزوجية محملة بضغوط القروض والديون، بدلاً من أن تبدأ بهدوء وراحة بال.
اقتصاد المباهاة: لماذا نهدر ما نحتاجه؟
إن تكلفة القصور الضخمة، وديكورات القاعات الباهظة، والكماليات التي تزين المكان لساعات معدودة وتتلاشى بمجرد انتهاء الحفل، ليست سوى استنزاف لموارد العائلة. هذه الأموال، لو وُجهت بحكمة، لكانت رافداً قوياً لتأمين سكن مريح، أو استثماراً في مشروع عائلي صغير، أو حتى ادخاراً للطوارئ في أول سنوات الزواج. نحن بحاجة ماسة لمراجعة “ثقافة البذخ” التي فرضت علينا معايير جعلت من التميز في الحفل مرادفاً للإنفاق المفرط.
القدوة.. مفتاح التغيير
التغيير في المجتمعات لا يأتي عبر النصائح فقط، بل من خلال “النماذج”. عندما تدرك الأمهات أن “الرقي الحقيقي” لا يكمن في فخامة القاعة أو عدد كمالياتها، بل في توفير حياة كريمة ومستقرة للأبناء، سيتغير المشهد جذرياً. إن تبني “الزفاف الميسر” والبسيط ليس دليلاً على ضعف الإمكانيات، بل هو عنوان للوعي والنضج.
دور الإعلام والمجتمع
كمؤسسات إعلامية، يقع على عاتقنا دور أكبر من مجرد التغطية؛ دورنا هو صناعة الوعي. يجب أن نتبنى حملات تروج لـ “الزواج الميسر”، وتفند أسطورة “المنافسة بين الحفلات”، وتسلط الضوء على قصص نجاح شباب اتخذوا قرارهم بجرأة واكتفوا بالبساطة، فوجدوا في حياتهم البركة والاستقرار.
ختاماً
الزواج ميثاق غليظ، وقيمته في “ديمومته” لا في “فخامة بدايته”. لنجعل من زفاف أبنائنا وبناتنا مناسبات تبهج القلوب دون أن تكسر الظهور. فلنعد إلى البساطة، فهي طريقنا لبناء جيل قوي ومستقر مادياً ونفسياً، بعيداً عن صراعات المظاهر التي لا تسمن ولا تغني من جوع.





