
بقلم : نجود العتيبي
أيها القارئ، قبل أن تمضي بين السطور، دعني أصطحبك إلى مساءٍ هادئ .
لم يكن في نيتي أن أكتب مقالًا، ولا حتى أن أبحث عن فكرة كل ما أردته في تلك الليلة كان فنجان قهوة، وشيئًا من السكينة ، جلست في ركنٍ هادئ من المقهى، أراقب الوجوه العابرة، مؤمنةً أن أكثر ما سيبقى في ذاكرتي هو مذاق القهوة .
لكن الحياة، كعادتها، كانت تُخبئ لي فكرةً في هيئة عابر .
لم أكن أعلم أن دقائق قليلة ستقودني إلى تأملٍ امتدَّ أطول من ذلك المساء، وأن لحظةً عابرة ستفتح أمامي بابًا واسعًا للتفكير في الإنسان، وفي الوعي، وفي السر الذي يجعل كلًّا منا يرى الحياة بعينٍ تختلف عن الآخر .
ومن هناك بدأت الحكاية ..
كنتُ أظن أن القهوة وحدها قادرةٌ على أن تمنح المساء دفأه، حتى مرَّ هو .
لم يكن بيننا لقاء، ولا حتى نظرةٌ تستحق أن تُروى، لكن حضوره مرَّ بي قبل أن يمرَّ أمامي كان يمشي وكأن السكينة اختارت له هيئةً، والوقار استعان بملامحه، والثقة وجدت في صمته لغتها وكان في لون بشرته دفءٌ يشبه دفءَ شمسٍ تميل إلى الغروب؛ هادئةً، لا تؤذي العين، لكنها تبقى في الذاكرة .
بعض العابرين يمرون من أمامنا، وآخرون يمرون في داخلنا، فيتركون في الروح أثرًا لا يمحوه الزمن .
مضى كما جاء؛ غريبًا لا أعرف حتى اسمه، لكنه ترك في الذاكرة حضورًا يفوق أسماءً كثيرة عرفناها .
وحين غاب، لم يبقَ في يدي سوى فنجان القهوة، وفي قلبي بيتان من الشعر :
كل دربٍ تمرَّه لو تمرَّه عبور
شعشع النور فيه وليلته عامره
ولأن بعض اللحظات العابرة تستطيع أن تفتح أبوابًا واسعة للتأمل، وجدتني أنتقل من وصف عابرٍ لا أعرف اسمه، إلى سؤالٍ أعرف أنه يمسنا جميعًا .
لماذا يرى كلُّ إنسانٍ الحياة بطريقةٍ تختلف عن الآخر؟
لكلِّ فردٍ منّا صياغته الخاصة لصورة وجوده؛ فالوعي بداخلنا ليس نمطًا واحدًا، بل طبقاتٌ تتكوّن من الخبرات، والذكريات، والبيئة، والعادات، وتراكمات التجارب التي شكّلتنا مع مرور الزمن .
ولهذا نختلف في آرائنا، ووجهات نظرنا، ورؤانا، وقناعاتنا، ومبادئنا اختلافٌ لا تصنعه الكلمات، بل تصنعه الحياة نفسها .
فمن مرَّ في دربٍ ضيقٍ يغزوه الظلام، قد يرى الكون محدودًا وموحشًا، ومن عاش في سعةٍ داخلية، وامتلأ قلبه بالاكتفاء، سيجد الرحابة والنور في كل طريقٍ يسير فيه .
لكن يبقى السؤال الأهم: هل نرى الحقيقة كما هي، أم كما أعادت تجاربنا تشكيلها في وعينا؟ فكل موقفٍ نمر به يضيف طبقةً جديدة إلى إدراكنا، وكل خيبةٍ أو نجاحٍ يعيد رسم الطريقة التي نقرأ بها العالم لذلك، لا يمكن أن نطلب من شخصين سلكا طريقين مختلفين أن ينظرا إلى الحياة بالعين ذاتها، أو أن يصلا إلى القناعة نفسها .
وربما لهذا السبب، لا يُقاس نضج الإنسان بقدرته على إقناع الآخرين بوجهة نظره، بل بقدرته على تفهُّم أن اختلافهم لا يعني بالضرورة خطأهم فخلف كل قناعةٍ حكاية، وخلف كل رأيٍ تجربة، وخلف كل إنسان طريقٌ لم نسلكه، وأيامٌ لم نعشها، وظروفٌ لم نشهدها .
ولعل ذلك العابر لم يوقظ إعجابًا عابرًا بقدر ما أيقظ سؤالًا ظل يرافقني: كم من الأشخاص مررنا بهم، وظننا أننا عرفناهم من ملامحهم، بينما كانت حياتهم تخفي فصولًا كاملة لم نقرأ منها سوى الغلاف ..





