تقرير

كيف نمنح الأيتام ذوي الظروف الخاصة فرصة حقيقية للحياة؟

استطلاع / د. وسيلة محمود الحلبي

لا يولد الإنسان ناجحًا أو فاشلًا، وإنما تصنعه البيئة التي تحتضنه، والقيم التي تغرس فيه، والفرص التي تُمنح له. والأيتام ذوو الظروف الخاصة ليسوا استثناءً من هذه الحقيقة؛ فهم طاقات واعدة، يمتلكون أحلامًا وقدرات قد تغير حياتهم وحياة مجتمعهم متى ما وجدوا الرعاية الصادقة، والتأهيل السليم، والاحتواء الإنساني الذي يفتح أمامهم أبواب الأمل والنجاح.
ومن هذا المنطلق، وانطلاقًا من رسالة جمعية كيان للأيتام ذوي الظروف الخاصة في بناء الإنسان وتمكينه، طرحت سؤالًا على نخبة من المختصين والخبراء والتربويين والاجتماعيين: “كيف نمنح الأيتام ذوي الظروف الخاصة فرصة حقيقية للحياة، ليصبحوا مواطنين صالحين، ينفعون أنفسهم، ودينهم، ووطنهم؟” فجاءت الإجابات ثرية بالتجارب والرؤى والمبادرات، مؤكدة أن صناعة الإنسان مسؤولية مشتركة، وأن الاستثمار في الأيتام هو استثمار في مستقبل الوطن بأكمله.

قالت الأستاذة منى الغامدي عضو مجلس الإدارة بجمعية كيان للأيتام ذوي الظروف الخاصة:

لكي نمنح أبنائنا الأيتام ذوي الظروف الخاصة فرصة الحياة لابد أن نؤمن بقدراتهم، ونوفر لهم بيئة آمنة، وتعليماً نوعياً، ورعايةً نفسية واجتماعية، ونغرس فيهم القيم والثقة بالنفس، حتى يصبحوا أفراداً فاعلين في المجتمع.
فهدفنا ليس مجرد رعايتهم، بل تمكينهم ليكونوا: صالحين لأنفسهم، يحققون ذواتهم ويعيشون بكرامة. نافعين لدينهم، متمسكين بقيم الإسلام وأخلاقه. مخلصين لوطنهم، يساهمون في بنائه وتنميته، ويكونون مواطنين صالحين ومنتجين. واليتيم لا يحتاج إلى الشفقة بقدر ما يحتاج إلى الفرصة. فإذا منحناه الرعاية، والتعليم، والاحتواء، والتمكين، فإننا لا نبني حياة فردٍ واحد فحسب، بل نبني إنسانًا صالحًا، ينفع نفسه، ويخدم دينه، ويسهم في رفعة وطنه، ليكون عضوًا منتجًا ومؤثرًا في مجتمعه. فالغاية من كفالة اليتيم ليست توفير احتياجاته المادية فقط، وإنما صناعة إنسانٍ قادر على العطاء، يحمل رسالة، ويكون مصدر خير لنفسه ولمجتمعه.

وقالت الأخصائية النفسية الأستاذة هدى سيلان عضو مجلس الإدارة سابقا بجمعية كيان:

هذا التساؤل يلمس قضية إنسانية ووطنية في غاية الأهمية، والوصول إلى تمكين حقيقي للأيتام ذوي الظروف الخاصة يتطلب منظومة متكاملة تجمع بين الدعم العاطفي، التمكين الاجتماعي، والاستقلال الاقتصادي. في المملكة العربية السعودية، تتعدد المحاور التي يمكن من خلالها صناعة أثر مستدام لنقل هذه الفئة من مرحلة “الرعاية” إلى مرحلة “التمكين والإسهام الفعال”:
1. التمكين النفسي وبناء الهوية الذاتية
الدمج المجتمعي المبكر: تقديم برامج احتضان وتكافل مجتمعي. يتجلى في أبهى صوره من خلال الأسر الكافلة والأسر الصديقة بدلا من الرعاية المؤسسية المغلقة، لضمان نشأة الطفل في بيئة أسرية دافئة تمنحه الأمان النفسي.
التوجيه والإرشاد النفسي (Mentorship):
مساعدتهم في جميع المراحل العمرية والدعم النفسي لتجاوز تحديات الهوية وبناء تقدير للذات وتوكيدها. كما أرفع الوعي المجتمعي بالتعامل مع الأيتام ذوي الظروف الخاصة بصفة “مواطنين كاملين” دون عطف مشوب بالشفقة المفككة للكرامة.
1. التأهيل العلمي والمهني (استثمار الطاقات)
المسارات التعليمية والتخصصية: توفير فرص للتعليم العالي والتدريب المهني النوعي الموجه نحو متطلبات سوق العمل السعودي (مثل مجالات التقنية، الذكاء الاصطناعي، والخدمات). للوصول إلى الاستقلال المالي.
المهارات الحياتية والقيادية: تدريبهم على إدارة المال، الاتصال الذكي، وحل المشكلات لضمان نضجهم الاجتماعي وتهيئتهم للمستقل.
1. التكامل المؤسسي والدعم التشريعي
تفعيل الشراكات: تنسيق الجهود بين وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، والجمعيات الخيرية، والقطاع الخاص لفتح أبواب التوظيف والتدريب.
برامج السكن والاستقرار: تقديم حلول سكنية ومبادرات استقرار اجتماعي تسهل انتقال الشاب بأمان للاستقلال الأسري والاقتصادي المتزن.
وتحفيز القطاع الخاص: تقديم تسهيلات أو حوافز للشركات والمؤسسات التي تستوعب وتدرب أبناء هذه الفئة وتستثمر في قدراتهم.
1. تعزيز المواطنة والانتماء
المشاركة في المبادرات الوطنية: إدماجهم في المبادرات التطوعية والأنشطة المجتمعية لترسيخ شعورهم بالمسؤولية تجاه مجتمعهم ووطنهم.
إبراز القدوة والأنموذج: تسليط الضوء على قصص النجاح الملهمة من النماذج المميزة لتكون دافعاً لغيرهم، وتأكيداً على أن العطاء والتميز لا يحّدهما ظُرف.

إن منح الأيتام ذوي الظروف الخاصة فرصةً حقيقية للحياة يبدأ بالإيمان بقدراتهم، لا بالنظر إلى ظروفهم. فحين نوفر لهم التعليم، والرعاية، والتمكين، والدعم النفسي والاجتماعي، فإننا نبني إنسانًا واثقًا بنفسه، قادرًا على العطاء والإبداع. وفي جمعية كيان نؤمن بأن الاستثمار في الإنسان هو أعظم استثمار، وأن كل يتيم يستحق فرصة عادلة ليحقق أحلامه. فهدفنا أن يكون أبناؤنا وبناتنا مواطنين صالحين، يعتزون بدينهم، ويسهمون في نهضة وطنهم، ويصنعون مستقبلهم بأيديهم.

كما قال الأستاذ عيسى الزرعوني مستشار متقاعد:
جزاك الله خيرا على هذا الاستطلاع والمبادرة… حتى نزرع تلك المبادرة في قلوب الناس علينا أولاً أن نبدئ في أنفسنا، ترى كم شخص يبادر أن يكفل يتيم ويتابع حالته وليس فقط أن يصرف للجمعيات، أعتقد الأفضل ان التواصل المباشر يجعل هناك تواصل وترابط بين المتكفل واليتيم، أو على الجمعيات أن تجعل اليتيم والمتبرع الكافل يلتقون عنها ليتعرفوا على بعض ويصبح بينهما تواصل.
ونجن نعلم تماما أن هناك جمعيات ومؤسسات تستثمر هذا المشروع الخيري من بداية حضانة اليتيم إلى دخوله سوق العمل، من مسكن وتربية وبيئة يستطيع أن يتعايش هذا اليتيم مع المجتمع، وأن يتواصل الكافل مع اليتيم، وأن تقوم الجمعيات الخيرية بإدارة هذا الموضوع سواء من ناحية التعليم والمعيشة والتمكين القيمي المهم جدا، إلى آخره ….. وحتى يكبر تكون الأولوية لهذا اليتيم بدخول سوق العمل وتأهيله (بنت أو ولد) وتكون هناك جهات حكومية تعطي الأولوية لتلك الفئة الغالية.

بينما قال د. مشعل بن ياسين المحلاوي نائب رئيس جامعة أيبكسي العالمية:

الأيتام ذوي الظروف الخاصة وبنائهم ليكونوا أعضاء فاعلين وصالحين في المجتمع هي مسؤولية متكاملة تتطلب الاستثمار في الإنسان، نفسياً وتربوياً وعملياً. لتحقيق هذا الهدف الجليل، يمكن تقسيم العمل إلى أربعة محاور أساسية:
1. الإعداد النفسي والعاطفي (بناء الذات)
قبل أي شيء، يحتاج الطفل إلى الشعور بالأمان والانتماء ليتخطى ظروفه الخاصة: من حيث الأمان النفسي وترسيخ الهوية: تقديم الدعم النفسي المتخصص لمساعدته على تجاوز شعور العزلة أو الشعور بالفقد، وزرع الثقة في نفسه. والبديل الأسري الدافئ: تشجيع نظام الاحتضان والأسر الكافلة الواعية بدلاً من دور الرعاية التقليدية، ليعيش الطفل في بيئة أسرية تمنحه الدفء والاهتمام الشديدين. والدمج الاجتماعي: تجنب عزله في مؤسسات مغلقة، وتشجيعه على المشاركة في الأنشطة الكشفية، والرياضية، والمجتمعية ليعتاد على التفاعل مع زملائه طبيعياً.
2. النفع الديني والأخلاقي (ينفع دينه)
البناء الإيماني والأخلاقي هو البوصلة التي توجه سلوك الإنسان وطاقته نحو الخير من حيث: غرس القيم بأسلوب عملي: تعليم الطفل مقاصد الدين السمحة والأخلاق الحميدة (كالصدق، والأمانة، وإتقان العمل) بالقدوة الحسنة لا بالتلقين الجاف. وربط الإيمان بالمسؤولية: تعزيز مفهوم أن “خير الناس أنفعهم للناس”، وأن صلاح الفرد وإتقانه لعمله هو جزء من عبادته ونفعه لدينه. وفهم المقاصد والإيجابية: بناء عقيدة متينة تحث على الأمل، وتجاوز العقبات، والنظر إلى ابتلاءات الحياة كفرص للنمو والتأثير الإيجابي.
3. التميز العلمي والمهني (ينفع نفسه)
ولكي يستقل اليتيم ويعتمد على نفسه مستقبلاً، يجب تمكينه بالمهارات الحقيقية من حيث: التعليم النوعي ومراعاة الفروق: اكتشاف مواهبه وشغفه مبكراً (سواء كان علمياً، أو فنياً، أو مهنياً) وتوفير فرص التعليم الجيد والتدريب المتقدم. ومهارات المستقبل والتكنولوجيا: تزويده بالمهارات الحديثة مثل البرمجة، واللغات، والتفكير النقدي، ومهارات التواصل التي تضمن له التنافسية في سوق العمل. والتأهيل للاستقلال المالي: تدريبه على إدارة المال، والادخار، والتمويل الذاتي، وإتاحة الفرص له لخوض تجارب عمل جزئي قبل التخرج.
4. الانتماء والمواطنة الفاعلة (ينفع وطنه)
تحويل الفرد من مستحق للدعم إلى صانع للأثر في مجتمعه من حيث: تعزيز روح المواطنة: غرس حقيقة أن الوطن يسع الجميع، وأن قيمته في مجتمعه تتحدد بما يقدمه من عطاء وإيجابية. والتطوع والخدمة المجتمعية: إشراكه منذ الصغر في حملات التطوع وخدمة البيئة والأنشطة الإنسانية ليتذوق حلاوة العطاء ويشعر بدوره في بناء وطنه. والتمكين والدعم اللاحق: متابعته بعد سن الرشد (التمكين بعد الرعاية) عبر توفير السكن الاستقرائي، وفرص العمل الأولى، لضمان اندماجه السلس في المجتمع دون انتكاسات.
وخلاصة قولي: تمكين الأيتام ذوي الظروف الخاصة لا يقتصر على توفير المأكل والملبس، بل يكمن في الانتقال بهم من مرحلة “الرعاية والشفقة” إلى مرحلة “التمكين وصناعة الأثر”.

وقالت الدكتورة منال بنت عبد الكريم الرويشد فنانة تشكيلية ورئيس مجلس إدارة الجمعية السعودية للفنون التشكيلية سابقا:

إن اهتمام الدولة بالأسر يساهم في بناء المجتمع في مختلف المجالات ورعاية الايتام ومن لهم ظروف خاصة ويأتي دور التكافل الاجتماعي للمساهمة مع الجهات المختصة بالرعاية باحتضان الأطفال وتحقيق الأمان النفسي والإشباع العاطفي وإكسابهم عادات وقيم اجتماعية. كما من المهم إعداد برامج متابعة لهم يتم من خلالها تعريفهم بحقوقهم وواجباتهم ويكون من ضمن برامج ومشاريع موجهه بالتعاون مع وزارة التعليم والقطاعات المعنية برعاية الأيتام وذوي الظروف الخاصة. وكذلك تخصيص برامج تنتهي بإكسابهم مهارات للدخول لسوق العمل للكفاية الذاتية ونفع أنفسهم وكسب قوتهم من جهودهم.
إن فاقدي الرعاية الوالدية يحتاجون تدخل مبكر وتقديم رعاية شاملة ورعاية مواهبهم بما يساهم في تحسين حياتهم مستقبلا ولا يبقون على جمع التبرعات وانما يكون لهم مشاريعهم كمواطنين صالحين يعملون وينفعون أنفسهم ويمكن تمكين الورش الحرفية اليدوية وإعادة احياء الحرف بتدريب من لهم ميول في ممارسة الحرف وتعلمها لتكون مصدر رزقه مستقبلاً. ووفق الله كل من يساهم في خدمتهم من الجهات الحكومية والقطاعات غير الربحية.

كذلك أكد الدكتور عثمان بن عبد العزيز آل عثمان رئيس مجلس إدارة الجمعية الخيرية لصعوبات التعلم:

إن أعظم صور الإحسان ليست أن نمدَّ إليه يد العون عند الحاجة فحسب، وإنما أن نأخذ بيده حتى يقف ثابتًا على قدميه، معتزًا بنفسه، قادرًا على صناعة مستقبله.
فإن بناء الإنسان يجب أن يسبق بناء البرامج، وأن يكون الاستثمار الحقيقي في التعليم، والتأهيل، والصحة النفسية، وتنمية المهارات، وغرس العقيدة الصحيحة، والقيم النبيلة، وروح المسؤولية، والانتماء. فهذه الركائز هي التي تُخرج للمجتمع مواطنًا صالحًا، ينفع نفسه، ويبر والديه أحياءً وأمواتًا، ويخدم دينه، ويخلص لوطنه، ويشارك في بناء مستقبله بإرادةٍ وعطاء.
ومن هنا
إنني أؤمن بأن كل يتيم يحمل في داخله مشروع نجاح، ينتظر من يكتشفه، وأن كل طفل أُحسن احتضانه اليوم قد يصبح غدًا طبيبًا، أو معلمًا، أو عالمًا، أو قائدًا، أو مبدعًا يغيّر حياة الآخرين إلى الأفضل. فالمجتمعات لا تُبنى بما تمتلكه من موارد فحسب، وإنما بما تصنعه من إنسان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى