
بقلم الدكتور عثمان بن عبدالعزيز آل عثمان
يرفعُ الإنسانُ أحيانًا سقفَ توقُّعاتِه من البشرِ، ثم يتألَّمُ حين لا تأتي مواقفُهم كما اشتهى، أو حين يتأخَّرُ عطاؤُهم، أو حين تتغيَّرُ مشاعرُهم. وكلَّما بالغَ في توقُّعِه، ازدادت احتمالاتُ خذلانِه؛ لأنَّ القلبَ حين يعلِّق سعادتَه بما عندَ الناسِ، يصبحُ أسيرًا لما يفعلونَ وما يتركونَ.
أمَّا حين يعلِّقُ القلبُ رجاءَه باللهِ تعالى، ويستغني به عمَّن سواه، فإنَّه ينتقلُ من انتظارِ الناسِ إلى الثقةِ بربِّ العالمين، ومن القلقِ من خذلانِ البشرِ إلى الطمأنينةِ بتدبيرِ اللهِ سبحانه وتعالى.
الاستغناءُ باللهِ تعالى لا يعني الاستغناءَ عن الناسِ، ولا قطعَ صلتِنا بهم، وإنَّما يعني ألَّا يكونَ البُ أسيرًا لهم، ولا أن تكونَ سعادتُنا مرهونةً باهتمامِهم، أو طمأنينتُنا معلَّقةً بحضورِهم، أو قيمتُنا مرتبطةً برضاهم.
نحبُّ الناسَ، ونحسنُ إليهم، ونقدِّرُ حضورَهم، ونقبلُ عطاءَهم، لكنَّنا لا نجعلُهم مصدرَ أمانِنا الوحيدَ، ولا نحمِّلُهم فوقَ طاقتِهم من التوقُّعاتِ والانتظاراتِ.
وهنا تتجلَّى عزَّةُ النفسِ الحقيقيةُ: أن تعملَ الخيرَ دونَ انتظارِ المقابلِ، وأن تعطيَ دونَ أن تجعلَ الشكرَ شرطًا، وأن تحبَّ دونَ أن تجعلَ الحبَّ قيدًا، وأن تتوقَّعَ الخيرَ من الناسِ دونَ أن تجعلَ توقُّعاتِك منهم مصدرَ سعادتِك أو تعاستِك.
لا تجعلْ توقُّعاتِك من الناسِ عقدًا خفيًّا يقيِّدُ سعادتَك. فمن أعطاكَ فاشكرْ، ومن قصَّرَ فاصفحْ، ومن خذلكَ فتعلَّمْ، ومن ابتعدَ فاتركْ له مساحةَ الرحيلِ، ثم عُدْ بقلبِك إلى اللهِ تعالى؛ فهناكَ لا ينقطعُ الرجاءُ، ولا تضيعُ الأماني، ولا تُغلَقُ أبوابُ الرحمةِ.
إنَّ مَن عرفَ أنَّ خزائنَ السماواتِ والأرضِ بيدِ اللهِ سبحانه وتعالى، لم يُهِنْ نفسَه عند أبوابِ البشرِ، ولم يبالغْ في طلبِ رضاهم، ولم يجعلْ تغيُّرَهم سببًا لاضطرابِ قلبِه.
كن غنيًّا باللهِ تعالى، كريمًا مع الناسِ، عزيزَ النفسِ، ليِّنَ الجانبِ، واسعَ الصدرِ، قليلَ التوقُّعِ من الخلقِ، كثيرَ الرجاءِ في ربِّ العالمين.
تأملات (311–320)
311. الثقةُ باللهِ تعالى تمنحُك الثباتَ عند تأخُّرِ الاستجابةِ؛ فاللهُ سبحانه وتعالى أعلمُ بما يصلحُ لكَ، وأرحمُ بكَ من نفسِك، وقد يكونُ تأخُّرُ العطاءِ لحكمةٍ ولطفٍ لا تدركُهما الآنَ. فاطمئنَّ إلى تدبيرِ ربِّك، ولا تستعجلْ ثمرةَ دعائِك.
312. الهدوءُ النفسيُّ يُحسِّنُ مهاراتِ إدارةِ الوقتِ والجهدِ؛ فالنفسُ الهادئةُ ترى الأولوياتِ بوضوحٍ، وتنجزُ بتركيزٍ، وتتجنَّبُ استنزافَ طاقتها في القلقِ والتشتُّتِ. فالسكينةُ ليست راحةً فحسب، بل قوةٌ تُحسنُ بها إدارةَ حياتِك.
313. الرضا بقضاءِ اللهِ تعالى يمنحُك القوةَ عند الابتلاءِ في الأبناءِ؛ فالصبرُ على تربيتِهم، والقيامُ بحقوقِهم، ومواجهةُ تحدياتِهم، مع الاحتسابِ وحسنِ الظنِّ باللهِ تعالى، يحوِّلُ مشقَّةَ الطريقِ إلى بابٍ من أبوابِ الأجرِ والرحمةِ.
314. السكينةُ القلبيةُ ثمرةٌ لتركِ كثرةِ اللومِ والعتابِ؛ فليس كلُّ خطأٍ يحتاجُ إلى مواجهةٍ، ولا كلُّ موقفٍ يستحقُّ عتابًا. وأحيانًا يكونُ التجاوزُ أرقى من الانتصارِ في النقاشِ، ويكونُ الصمتُ الحكيمُ أبلغَ من كثرةِ الكلامِ.
315. القربُ من اللهِ تعالى يمنحُك قبولَ المحبِّينَ وهيبةَ الصادقينَ؛ فالإخلاصُ للهِ سبحانه وتعالى، وحسنُ الخلقِ، ونقاءُ السريرةِ، تصنعُ حضورًا لا يحتاجُ إلى تكلُّفٍ أو استعراضٍ، وما كان للهِ تعالى دامَ أثرُه في القلوبِ.
316. صفاءُ القلبِ للهِ تعالى يورثُ التوفيقَ في التعبيرِ الصادقِ؛ فالكلمةُ التي تخرجُ من قلبٍ صادقٍ تصلُ إلى القلوبِ بسهولةٍ، وتتركُ أثرًا طيبًا يتجاوزُ لحظةَ قولِها.
317. الامتنانُ للهِ تعالى يحفظُ الروحَ من جحودِ النعمةِ؛ فتذكُّرُ نعمِ اللهِ تعالى في السراءِ، وشكرُه عليها، يعينانِ القلبَ على الثباتِ في الضراءِ، ويجعلانِ اللسانَ عامرًا بالحمدِ والذكرِ. وكلَّما ازدادَ وعيُك بالنعمِ، ازدادَ شعورُك بالغنى.
318. الوعيُ باللهِ تعالى يُهذِّبُ رغبةَ الانفرادِ بالرأيِ؛ فالمشورةُ ليست ضعفًا، والاعترافُ بأنَّ لدى الآخرينَ خبراتٍ وأفكارًا قد تنقصُنا ليس انتقاصًا من قدرِنا. فالعاقلُ يستمعُ، ويوازنُ، ثم يختارُ ما يراهُ أصوبَ.
319. السعادةُ الحقيقيةُ تُشرقُ في السكينةِ الروحيةِ عند الإنفاقِ في السرِّ؛ فالعطاءُ الخفيُّ يربِّي الإخلاصَ، ويحرِّرُ القلبَ من انتظارِ المدحِ والثناءِ، ويجعلُ بينَ العبدِ وربِّه أبوابًا من الخيرِ لا يعلمُها إلا اللهُ سبحانه وتعالى.
320. كلُّ قدرٍ من اللهِ تعالى قائمٌ على الحكمةِ والتقديرِ؛ فقد ترى في بعضِ الأقدارِ ما يؤلمُك، ثم تكشفُ لكَ الأيامُ أنَّ وراءَه لطفًا لم تدركْه. فثقْ بربِّ العالمين، وأحسنِ الظنَّ باللهِ تعالى، واصبرْ على ما قدَّر، واعلمْ أنَّ ما اختارَه اللهُ سبحانه وتعالى لكَ خيرٌ من كثيرٍ ممَّا تختارُه لنفسِك.
خاتمة المقال
في نهايةِ هذه المحطةِ، تذكَّرْ أنَّ أعظمَ الغنى غنى القلبِ باللهِ تعالى، وأعظمَ العزَّةِ ألَّا تجعلَ سعادتَك رهينةً لتوقُّعاتِك من الناسِ.
لا تنتظرْ من الجميعِ أن يفهموكَ، ولا من الجميعِ أن يقدِّروا عطاءَك، ولا من الجميعِ أن يبادلوكَ المشاعرَ ذاتَها؛ فالناسُ مختلفونَ في طباعِهم، وظروفِهم، وقدراتِهم، وطرائقِ تعبيرِهم.
أعطِ دونَ أن تُثقِلَ عطاءَك بانتظارِ المقابلِ، وأحبَّ دونَ أن تجعلَ الحبَّ امتلاكًا، وعاتبْ بقدرٍ، واغفرْ بقدرٍ، وتجاوزْ عمَّا يستحقُّ التجاوزَ، واتركْ ما لا تستطيعُ تغييرَه للهِ تعالى.
فحينما يستغني قلبُك باللهِ سبحانه وتعالى، لا تعودُ قسوةُ الناسِ قادرةً على كسرِك، ولا غيابُهم قادرًا على إطفاءِ نورِك، ولا تأخُّرُ عطائهم قادرًا على إفقارِ روحِك.
كنْ عزيزًا باللهِ تعالى، مطمئنًّا به، شاكرًا لنعمِه، راضيًا بتدبيرِه، محسنًا الظنَّ به؛ فمَن جعلَ اللهَ غناهُ، عاشَ غنيَّ النفسِ وإن قلَّ ما في يدِه، ومَن جعلَ رضا الناسِ غايتَه، أتعبَ قلبَه في طلبِ ما لا يُدرَك.
اللهمَّ يا ربَّ العالمين، ارزقنا غنى النفسِ، وعزَّةَ القلبِ، وصدقَ التوكُّلِ عليك، وحسنَ الظنِّ بك، ورضاكَ عنَّا، ولا تجعلْ حاجتَنا إلا إليك.
ونلتقي بكم يوم الخميس القادم بإذن الله تعالى.
#سلسلة_حياتك_السعيدة
#عزة_الاستغناء
#الاستغناء_بالله
#عزة_النفس
#الطمأنينة
#حسن_الظن_بالله
#تأملات
#حياتك_السعيدة






