مقالات وشعر

أدب العزلة

 

بقلم/

مضاوي بنت دهام القويضي

ليست العزلة دائمًا بابًا يُغلق في وجه العالم؛ أحيانًا تكون نافذة نفتحها للمرة الأولى على ذواتنا. ففي زحام الأصوات، وكثرة العلاقات، وتسارع الحياة، قد يصبح الابتعاد المؤقت ضرورة لا ترفًا، ومساحة نستعيد فيها قدرتنا على الإصغاء لما أهملناه طويلًا.

من هنا يمكن النظر إلى أدب العزلة بوصفه كتابة تنشأ من المسافة بين الإنسان والعالم. الكاتب المعزول لا يهرب بالضرورة من الحياة، بل يعيد النظر إليها من مكان أكثر هدوءًا. وحين تخفت الأصوات المحيطة، تبدأ أصوات أخرى بالظهور: أسئلة مؤجلة، ذكريات منسية، مخاوف لم تجد وقتًا لتتكلم، وأفكار كانت تضيع في ضجيج الأيام.

ولعل أجمل ما تمنحه العزلة للكاتب أنها تعيد إليه علاقته باللغة. تصبح الكلمة أكثر بطئًا، والجملة أكثر تأملًا، والتفاصيل الصغيرة أكثر حضورًا. كوب قهوة، نافذة مفتوحة، شارع خالٍ، أو مساء طويل؛ أشياء عابرة في الحياة اليومية قد تتحول في العزلة إلى مادة أدبية تحمل معنى يتجاوز ظاهرها.

لكن العزلة ليست فضيلة مطلقة. حين تتحول من اختيار واعٍ إلى قطيعة دائمة، قد تفقد الكتابة أحد مصادرها الأساسية: الاحتكاك بالآخرين وبالحياة. فالكاتب يحتاج إلى العزلة كي يسمع صوته، لكنه يحتاج أيضًا إلى العالم كي يجد ما يستحق أن يُقال.

لذلك، ربما لا يكون أدب العزلة أدب الابتعاد عن الحياة، بل أدب العودة إليها بوعي أعمق.

*كاتبةسعودية*

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى