
بقلم: فاطمة إبراهيم البلوي – تبوك
لو أنَّ لي معجزةً واحدة…
لما طلبتُ رفاهيةَ العيش..
ولا أيامًا تخلو من النقص..
ولا حياةً لا تعرف الفقد..
كنتُ سأطلب فقط أن يهدأ هذا العناء الذي طال حتى صار جزءًا من أيامنا..
وأن تعود إلينا الطمأنينة التي انتزعتها السنوات..
وأن ينقضي هذا الخوف المقيم بيننا، حتى في لحظات الصمت..
كنتُ سأطلب بيتًا لا تدخله الحسرة..
ولا تستقرّ في زواياه الخيبة..
ولا يستيقظ أهله على خوفٍ جديد..
بيتًا إذا أقبل صباحه جاءت معه الطمأنينة، وإذا أقبل ليله نام الجميع دون أن يضعوا القلق تحت وسائدهم…
كنتُ سأجعل رزقنا آمنًا..
وصحتنا مستقرة..
وقلوبنا بعيدةً عن الأخبار التي تهبط علينا كالصواعق..
وأمنحنا أيامًا لا نضطر فيها إلى التظاهر بالقوة..
ولا إلى إخفاء تصدّعات أرواحنا كي لا يرانا أحد ونحن على حافة الانهيار..
كنتُ سأطلب أن تُشفى أمّي من كل ما أخفته وراء صبرها..
وأن تمّحي من عينيها آثار الدموع التي اعتادت أن تنزل في الخفاء..
وأن يخفّ عن قلبها ذلك القلق الملازم لها..
وكنتُ سأطلب لأخواتي راحةً تشبه الأمان..
أن يزول عن أجسادهنّ التعب..
وعن أرواحهنّ الوجع الذي احتملنه دون شكوى..
وأن تعود إليهنّ خفّة الأيام التي أثقلها المرض والانتظار…
وكنتُ سأطلب لابنتي طفولةً لا تعرف الخوف..
ولا تختزن من الحياة رائحة المستشفيات..
ولا تلمح في عيوننا ما يدفعها إلى النضج قبل أوانه..
كنتُ سأمنحها أيامًا مليئة بالضحك..
وقلبًا لا يتعلّم الحذر مبكرًا..
وبيتًا لا تسمع فيه إلا أصوات الفرح..
كنتُ أريد لها أن تلعب دون أن تشعر بثقل ما حولها..
وأن تنام دون خشية الغد..
وأن تكبر وهي تظن أن العالم مكانٌ آمن، لا تفسده الأخبار المفاجئة ولا يثقله الحزن…
لكن قبل كل شيء، كنتُ سأطلب عودة أخي إلينا…
ذاك الذي كان سندنا حين مالت بنا الأيام..
وظهرنا حين أثقلتنا الحياة..
واليد التي تمتد إلينا كلما أوشكنا على السقوط..
كان يحمل عنّا ما نعجز عن حمله..
ويقف في وجه العاصفة قبل أن تبلغنا..
ويمنح أمّي شعورًا بأن في البيت من يحميه..
ويمنحني أنا وابنتي أمانًا لم ندرك قيمته إلا بعد غيابه…
فمنذ غاب..
لم يغب شخصٌ واحد من حياتنا؛ بل اختلّت معه أشياء كثيرة…
اضطرب توازن البيت..
وضاقت بنا الأيام..
وتوزّعت مسؤوليات كان يحملها في صمت..
ترك غيابه فراغًا لا يُرى..
لكنه يذكّرنا كل يوم بأن شيئًا أساسيًا لم يعد في موضعه…
خارت قوّتنا..
وأرهق القلق أمّي..
واضطررنا إلى مواجهة الحياة بقلوبٍ مرتجفة..
نخفي ضعف بعضنا عن بعض..
ونحاول أن نصون ما بقي من كرامتنا ونحن نقاوم انهيار كل شيء…
كنتُ سأطلب أن يُرفع عنه هذا الغياب الثقيل..
وأن تُفتح له الأبواب التي طال إغلاقها..
وأن يعود إلينا سالمًا، لا يحمل في قلبه إلا الطمأنينة..
ولا يرى في وجوهنا إلا الفرح..
أريده أن يرجع إلى مكانه بيننا..
إلى البيت الذي كان عماده..
وإلى أمّي التي أرهقها الانتظار..
وإليّ وأنا أحاول أن أبدو قوية..
وإلى ابنتي التي فقدت بغيابه أمانًا كان يحيط بها دون أن تعرف مصدره…
كنتُ سأطلب أن يعود قبل أن يطول هذا السقوط..
وقبل أن نعتاد غيابه..
وقبل أن يبدو البيت قائمًا من الخارج فيما تتداعى أركانه في الداخل…
أريده أن يعود لا ليحملنا وحده من جديد..
بل لنشعر أن ظهورنا لم تعد مكشوفة..
وأن بيتنا لم يعد بلا سند..
وأن كرامتنا التي أرهقها الاحتياج ما زال لها من يحميها ويصونها…
كنتُ سأطلب أن تنتهي محنته دون خسارة..
وأن يُعوَّض عن كل يوم عاشه بعيدًا عنّا..
وعن كل لحظة حُرم فيها من بيته وأمّه وحريته..
وعن كل خوف حمله وحده كي لا يبلغنا..
كنتُ أريد أن يأتيه الفرج كما يأتي المطر إلى أرضٍ عطشى..
واسعًا، مفاجئًا، ومحمّلًا بالحياة..
أريد أن أراه أمامنا مطمئنًا..
يبتسم دون أن يخفي وراء ابتسامته تعبًا طويلًا..
وأن نشعر جميعًا بأن البيت استعاد روحه حين عاد إليه….
ولو خُيّرتُ في صباحٍ واحد..
لاخترتُ صباحًا أستيقظ فيه فلا أجد في البيت مريضًا..
ولا مهمومًا..
ولا قلبًا معلّقًا بباب الفرج..
صباحًا أرى فيه أمّي مرتاحة..
وأخواتي بخير..
وابنتي تضحك دون خوف..
وأخي بيننا، يملأ المكان بحضوره، ويعيد إلى البيت هيبته ودفأه…
صباحًا لا أفتّش فيه عن الوجع في الوجوه..
ولا أقرأ القلق في الصمت..
ولا أتهيّأ لسماع خبرٍ قد يسلب منّا ما تبقّى من أمان…
أريد فقط أن أرى من أحبهم بخير…
أريد أن أراهم يضحكون دون أن يختبئ الألم خلف ضحكاتهم…
ويمشون دون أن يثقل التعب خطاهم..
وينامون دون أن توقظهم الهواجس..
أريد أن أطمئن عليهم…
حتى لو بقي وجعي لي؛ فقد اعتدتُ أن أكون آخر من يُسأل..
وآخر من يطلب..
وأول من يحمل..
اعتدتُ أن أضمّد جراح الآخرين بيدي، ثم أعود إلى وحدتي لأخفي جرحًا لا أعرف كيف أداويه….
لكنني تعبت….
تعبتُ من حمل ما أستطيع، ومن إخفاء ما لا أستطيع..
من الوقوف مستقيمةً فيما تجلس في داخلي امرأةٌ على أنقاضها تبكي..
تعبتُ من أن أكون قويةً في كل مرة..
كل ما أريده كتفًا أضع عليه رأسي..
وصوتًا يهدّئ ارتجاف قلبي..
ويدًا تمتد إليّ وتقول:
هذه المرّة… دعي عنكِ هذا الحمل، سأحمله أنا…
لو أنَّ لي معجزة…
لما طلبتُ حياةً فاخرة..
ولا عمرًا خاليًا من الفقد..
فقد تعلّمتُ أن الحياة لا تمنحنا كل ما نريد..
كنتُ سأطلب جبرًا هادئًا يشملنا جميعًا…
جبرًا يداوي قلب أمّي..
ويخفف عن أخواتي..
ويحمي ابنتي..
ويعيد أخي إلينا، ويعيد معه إلى بيتنا توازنه..
وإلى قلوبنا أمانها..
وإلى حياتنا شيئًا من كرامتها التي أرهقها الغياب…
كنتُ سأطلب من الله أن يعوّضنا عن كل دمعة ابتلعناها..
وكل دعاء رفعناه ونحن نكابر..
وكل ليلة نمنا فيها مثقلين ثم استيقظنا لنواصل الطريق كأن شيئًا لم يكن..
أن يردّ إلينا ما انكسر فينا..
وأن يجمع شملنا..
وأن يعيد إلينا أخي سالمًا؛ لا ليكون وحده من يحملنا، بل لنحمل بعضنا بعضًا بعد أن أتعبتنا الحياة…
فإذا جاء ذلك اليوم…
فلن نحتاج إلى أن ننسى ما مررنا به كي نفرح..
ولا إلى أن ننكر أثره كي نبدأ من جديد..
سنحمل ندوبنا برفق، ونفهم أن الجبر لا يمحو الماضي..
لكنه يمنح القلب قدرةً على مواصلة الحياة دون أن يبقى أسيرًا له…
سنعرف أن النجاة قد لا تأتي دفعةً واحدة، لكنها تبدأ بخطوةٍ صغيرة نحو الطمأنينة..
وببابٍ يُفتح بعد طول انتظار..
وبيدٍ تمتد إلينا حين نظن أننا لم نعد قادرين على الوقوف…
وحين نلتفت يومًا إلى هذا الطريق الطويل…
لن نحتاج إلى كثير من الكلام..
سيكفينا أن يكون أخي بيننا..
وأن تكون أمّي مطمئنّة..
وأن تضحك ابنتي دون خوف..
وأن يعود بيتنا بيتًا لا ساحةً للانتظار..
عندها سنفهم أن المعجزة لم تكن أن تختفي آلامنا…
بل أن يجبرنا الله..
أن يردّ إلينا أخي سالمًا..
ويجمع شملنا..
ويعيد إلى أسرتنا أمانها..
وإلى أرواحنا قدرتها على الفرح..
وحينها فقط…
سنعرف أن الجبر ليس عودة ما فقدناه فحسب، بل عودة الحياة إلينا نحن..
أن يعود أخي…
فتعود معه الطمأنينة إلى أمّي..
والراحة إلى أخواتي..
والأمان إلى ابنتي..
والقوة إلى البيت..
وأن أستطيع أخيرًا أن أضع هذا الحمل عن كتفي دون خوف…
عندها لن أطلب معجزةً أخرى…
لأنني سأكون قد رأيت أعظمها:
أن يعود من نحب..
وأن يلتئم ما انكسر..
وأن نجد أنفسنا، بعد كل هذا الغياب، ما زلنا معًا…






