شؤون عربية وعالمية

الأمير تركي الفيصل: لا ثقة بإيران بعد خرقها اتفاق بكين، ولا بد من الضغط على إسرائيل للالتزام باتفاقاتها

برلين: حنان البكري

بدعوة من ألكسندر رضوان رئيس المجموعة البرلمانية للعلاقات مع الدول الناطقة بالعربية في البرلمان الألماني (البوندستاغ)، شارك الأمير تركي الفيصل، رئيس مجلس إدارة مركز الملك فيصل للبحوث و الدراسات الإسلامية، في جلسة حوارية في مقر البرلمان أكّد خلالها أنّ خرق إيران اتفاقَ بكين أفقدها الثقة، و أن إصلاح العلاقة معها يتطلب جهدًا كبيرًا و ضمانات، مشددًا على ضرورة الضغط على إسرائيل للالتزام باتفاقاتها، و معالجة القضية الفلسطينية التي تتخذ منها إيران شعارًا، و مؤكدًا أن أورُبا قادرة على أداء دور في تحقيق السلام في المنطقة و منبّهًا إلى أن للعنف و الحروب دائمًا عواقب غير مقصودة، لا تقتصر على المنطقة، بل تطال العالم.

جاء ذلك في جلسة حوارية في البرلمان الألماني يوم ٢٢ سبتمبر ٢٠٢٦م ضمن أعمال المؤتمر الثامن الألماني-العربي الخليجي للأمن و التعاون، المنعقد في العاصمة الألمانية برلين يومي 21 و 22 سبتمبر 2026م، بتنظيم من جمعية الصداقة الألمانية العربية، و بمشاركة أعضاء في البرلمان الألماني و ممثلين من ألمانيا ودول الخليج.

و في حديثه عن العلاقات الأوروبية الخليجية، أكد سموه أن ما يجري في المنطقة شأن يعني العالم كله، لافتًا إلى إحجام أورُبا عن الانضمام إلى التحالف البحري الدفاعي في مضيق باب المندب والبحر الأحمر وخليج عدن، مع أنها شاركت من قبل في التحالف الدولي لمكافحة القرصنة البحرية، و وصف مسار اتفاقية التجارة الحرة و شراكة التعاون بين الجانبين بأنّه «حَمْل دام ثلاثين عامًا»، في إشارة إلى القمة الأورُبية الخليجية المرتقبة في الرياض.

و في ردّه على مداخلة لأحد أعضاء البرلمان الألماني أبدى فيها اهتمامًا بتوسيع التعاون الأمني مع دول الخليج بما يتجاوز صفقات السلاح، و الإفادة من تجربتها في مواجهة مخاطر الإسلام السياسي، أكد سموه أن المملكة اكتوت بنار الإرهاب المتستر بالإسلام قبل غيرها، و أن الإرهابيين خارجون بأفعالهم عن الإسلام، و لا يصح الخلط بينهم و بين الإسلام والمسلمين. 

و أوضح أن المملكة أنشأت منذ ذلك الحين آليات لمكافحة الإرهاب، غير أن هذا جهد لا يتوقف؛ لأن الشباب معرّضون دائمًا لخطر الاستقطاب والتجنيد، مذكّرًا بأن شعار حقوق الفلسطينيين لا يزال من أبرز أدوات التجنيد.

و استحضر سموه خمسينيات القرن الماضي وستينياته، حين عرفت ألمانيا حركات متطرفة، و واجهت المملكة تنظيمات يسارية، منها تنظيمات فلسطينية، استهدفتها قبل أن تستهدف غيرها، و تعرضت سفاراتها لهجمات، مؤكدًا أن تجربة المملكة متاحة لألمانيا، و أن مواجهة التطرف مسؤولية جماعية.

و عن سبل مواجهة الإسلاموفوبيا، و التمييز بين المسلم المعتدل وغيره، ومنع تجنيد الشباب، و هي تساؤلات تم طرحها على سموّه، حمّل سموه الإعلامَ مسؤولية الصور النمطية؛ لتركيزه على الجوانب السلبية، مؤكدًا أن حرية التعبير لا بد لها من ضوابط، و أن على الجميع مسؤولية مشتركة في إظهار الحقيقة بدلًا من الصور المتخيَّلة، لا عن المسلمين وحدهم، بل عن غيرهم من الأقليات أيضًا.

 ورأى أن التواصل والانفتاح على العالم هما السبيل إلى التعارف المتبادل، و هو ما تقوم به برامج الابتعاث السعودية، داعيًا ألمانيا إلى تشجيع برامجها التعليمية لإيفاد طلابها إلى المملكة.

و في ردّه على سؤال عن الصورة الأشمل للتعاون بين الجانبين، أكد سموه أهمية الشراكة الأمنية مع أورُبا، لافتًا إلى أهميّة الشراكة مع الولايات المتحدة منذ لقاء الملك عبدالعزيز -طيّب الله ثراه- و الرئيس فرانكلين روزفلت، رغم ما شهدته من تقلبات. موضحاً أن المملكة تتكيف مع تغيّر الإدارات، في حين تعيق الأنظمة الانتخابية الغربية التخطيط الإستراتيجي، و مضيفًا أن لكل طرف مآخذه على الآخر، ومشيدًا بدور جمعية الصداقة الألمانية العربية، و داعيًا إلى مزيد من هذه الجهود، وإلى زيارة المملكة و التعرف إليها على حقيقتها.

و في ردّه على سؤال عن شروط إصلاح العلاقة مع إيران، استعرض سموه مسار المحاولات السعودية في هذا الشأن؛ فبعد عدائية إيرانية طالت المملكة و الكويت، سعت المملكة في تسعينيات القرن الماضي إلى إصلاح العلاقة في عهدي الرئيسين أكبر هاشمي رفسنجاني و محمد خاتمي، ثم تبدّل الحال في عهدي محمود أحمدي نجاد و حسن روحاني، في ظل السياق الجديد الذي أعقب احتلال العراق عام 2003م، و صولًا إلى الاعتداء على سفارة المملكة في طهران عام ٢٠١٦م.

و أضاف أن المملكة حاولت مجددًا بوساطة صينية، عبر اتفاق بكين الذي نصّ على عدم التدخل في الشؤون الداخلية والالتزام بميثاق الأمم المتحدة، غير أن الرد الإيراني جاء خرقًا للاتفاق، ولذلك لا توجد ثقة بإيران، كما لم تكن موجودة في المرحلتين السابقتين. وشدد على أن إصلاح العلاقة يتطلب جهدًا كبيرًا وضمانات، مؤكداً أنّ الجغرافيا تحكم الجميع.

وعن سؤال حول دور الدين في الصراع بين المملكة وإيران، أوضح سموه أن إيران توظّف الدين بدعوى التمهيد لظهور الإمام المهدي، لكن الأمر في جوهره سياسة؛ فهيمنتها على حزب الله و غيره من الجماعات غايتها بسط النفوذ، والدين أداة لذلك. و مشيرًا إلى أن إيران ترفع شعار القضية الفلسطينية، وهو ما يستدعي معالجة هذه القضية التي مضى على نشوئها قرابة ثمانين عامًا. 

و في جواب عن سؤال عن اتفاقيات أبراهام، رأى سموه أنها لم تكتمل؛ فقد جاءت حين كان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يهدد بضم الضفة الغربية، وكان يُفترض أن يحول الانضمام إليها دون الضم والتوسع، لكنها خلت من أي تمثيل فلسطيني، فكانت، كما جسدًا بلا رأس، والرأس هو حل القضية الفلسطينية. و أشار إلى أن التوسع الإسرائيلي مضى رغم ذلك، وأن المملكة اشترطت ضمان الحقوق الفلسطينية حين اقترح الرئيس الأميركي السابق جو بايدن انضمامها مشيراً إلى أنّ دور الولايات المتحدة في ما يخص القضية الفلسطينية متأثّر بتجذّر النفوذ المؤيد لإسرائيل في الولايات المتحدة منذ عقود طويلة.

و تساءل سموه عن سبب عدم قبول مبادرة السلام العربية، التي أطلقها الملك عبدالله بن عبدالعزيز -رحمه الله- حين كان وليًّا للعهد عام 2002م، وما زالت مطروحة، مؤكدًا، ردًّا على من يرى أنها ماتت، أن العرب ما زالوا ملتزمين بها، وأنها أكثر المبادرات واقعية للطرفين الفلسطيني والإسرائيلي، و أنه لا بد من الضغط على إسرائيل للالتزام بالقرارات الأممية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى