
فاطمة إبراهيم البلوي
ذهب من العمر ما ذهب…
ولم يكن أشد ما يؤلمنا أن السنوات مضت، فكل الأعمار مآلها إلى الرحيل..
وإنما يؤلمنا كيف مضت..
ولأجل من مضت..
وفي أي الطرق استُنزفت أرواحنا حتى أصبح التعب جزءًا منا لا نفارقه..
مضت أعوام طويلة ونحن ننتظر…
ننتظر كلمةً بسيطة يمكن أن تُخفف وجعًا عميقًا…
وننتظر موقفًا صادقًا يرمم شيئًا مما تهدم في الداخل…
وننتظر يدًا تمتد إلينا حين تتكاثر علينا الأعباء…
لكن الانتظار طال حتى تحول إلى عمرٍ كاملٍ من الخيبة…
كبرنا قبل أواننا…
لم تُكبرنا السنين كما كبرت غيرنا..
بل كبرتنا المسؤوليات التي حملناها وحدنا..
والآلام التي أخفيناها خلف وجوهٍ اعتادت أن تبتسم رغم الانكسار..
تعلمنا كيف نكتم دموعنا حتى لا نثقل على أحد…
وكيف نُخفي أوجاعنا خلف كلماتٍ عابرة…
وكيف نبدو أقوياء بينما كانت أرواحنا تتآكل بصمتٍ لا يسمعه أحد…
عشنا سنواتٍ طويلة نمنح الآخرين ما كنا بأمسّ الحاجة إليه…
نمنحهم الاهتمام الذي افتقدناه…
والاحتواء الذي حُرمنا منه…
والرحمة التي تمنيناها لأنفسنا…
ونقف إلى جوارهم في انكساراتهم، بينما لم نجد أحدًا يقف إلى جوارنا حين جاء دورنا في السقوط…
كم مرةً كنا نختنق من الداخل بينما الجميع يظن أننا بخير؟
وكم مرةً أوجعتنا الحياة حتى لم يعد في القلب متسعٌ لوجعٍ جديد؟
وكم مرةً مددنا أيدينا بحثًا عن سندٍ قريب، فلم نجد إلا الفراغ؟
كانت الأيام تمضي…
لكن شيئًا في داخلنا كان يتساقط مع كل خيبة..
في كل مرةٍ كنا نلتمس الأعذار لمن قصروا…
ونقنع أنفسنا أن الغياب مؤقت…
وأن التجاهل مجرد انشغال…
وأن القسوة لحظة عابرة…
لكن السنوات كانت تكشف لنا الحقيقة ببطءٍ موجع…
بعض الناس لم يكونوا عاجزين عن الوقوف معنا…
بل لم يريدوا ذلك أصلًا..
وهنا يكمن الوجع الحقيقي…
فالخذلان لا يؤلم حين يأتي من غريب…
الغريب لا يحمل وعودًا في قلوبنا…
لكن الخذلان يصبح قاسيًا حين يأتي ممن كنا نعدهم وطنًا…
ممن ظننا أنهم الملاذ الأخير إذا اشتدت بنا العواصف…
ممن حملوا أسماء الإخوة أو الأقارب أو الأصدقاء أو الأحبة…
أولئك الذين منحناهم ثقتنا كاملة…
ثم اكتشفنا متأخرين أن الثقة كانت في المكان الخطأ..
وما أثقل العتب حين يبقى سنواتٍ طويلة حبيس القلب…
عتبٌ لا يجد من يسمعه…
ولا من يفهمه…
ولا من يشعر بمرارته…
عتبٌ يتراكم يومًا بعد يوم حتى يصبح جزءًا من الروح..
ومع كل موقفٍ مؤلم كنا نخسر شيئًا جديدًا…
خسرنا براءة الثقة…
وخسرنا اندفاع المشاعر الصادقة…
وخسرنا يقيننا القديم بأن الخير الذي نقدمه سيعود إلينا يومًا من أحد..
حتى أصبحنا أكثر حذرًا…
وأقل قدرةً على التصديق…
وأشد خوفًا من أن نمنح قلوبنا لمن لا يستحقها..
ولعل أقسى ما في الأمر كله…
أن الإنسان يستطيع أن يعوض أشياء كثيرة..
قد يعوض مالًا خسره…
أو فرصةً ضاعت منه…
أو بيتًا تهدم…
أو حلمًا تأخر تحقيقه…
لكن هناك شيئًا واحدًا لا يمكن استعادته أبدًا…
العمر..
العمر الذي مضى في الانتظار…
العمر الذي ضاع في طرق أبوابٍ لم تُفتح…
العمر الذي استُنزف في تبرير أخطاء الآخرين…
العمر الذي ذاب ونحن نرجو اهتمامًا بسيطًا أو كلمةً صادقة أو موقفًا يثبت أننا لم نكن وحدنا…
إن أشد الخسارات ليست خسارة الأشخاص…
بل خسارة السنوات التي ضاعت بسببهم..
سنواتٌ كاملة كان يمكن أن تُعاش بسلام…
كان يمكن أن تُملأ بالطمأنينة…
كان يمكن أن تكون أخف على القلب لو وجدنا فيها من يشاركنا الحمل بدل من أن يزيده..
واليوم…
حين ننظر إلى الخلف لا نبكي على من رحلوا فحسب…
بل نبكي على النسخ القديمة من أنفسنا…
تلك النسخ التي كانت أكثر براءة…
وأكثر ثقة…
وأكثر قدرةً على الحب دون خوف..
نبكي على قلوبٍ كانت تظن أن الوفاء يكفي ليصنع وفاءً مماثلًا…
وأن المحبة الصادقة تُقابل بالمحبة…
وأن الوقوف مع الناس سيجعلهم يقفون معنا يومًا..
ثم جاءت الحياة لتعلمنا الدرس الأكثر قسوة…
أن بعض البشر يأخذون كل شيء…
ولا يعطون شيئًا..
نمضي رغم ذلك…
لكننا لا نمضي كما كنا..
نمضي بقلوبٍ أثقلها العتب…
وأرواحٍ أنهكها الانتظار…
وذكرياتٍ لا تزال تنبض بالألم كلما مر طيف الماضي…
نمضي لأن الحياة لا تتوقف…
لكن في أعماقنا سؤالًا موجعًا لا يكف عن العودة..
كيف كان سيكون شكل أعمارنا لو وجدنا من يمسك بأيدينا حين تعثرنا؟
كيف كان سيكون شكل قلوبنا لو أن الذين أحببناهم اختاروا أن يكونوا سندًا لا خذلانًا؟
كيف كان سيكون شكل أيامنا لو وجدنا في منتصف الطريق من يقول لنا أنا هنا… لستِ وحدك؟
أسئلة لا تنتظر جوابًا…
لأن العمر الذي مضى لن يعود…
ولأن بعض الخسارات تبقى في القب
مابقي القلب ينبض…
ولأن هناك أعمارًا كاملة لا تضيع بالموت…
بل تضيع في الانتظار…






