
بقلم فاطمة إبراهيم البلوي – تبوك
هناك سجون لا تُبنى من الحديد…
تُبنى من الخوف..
ومن الاعتياد..
ومن أشياء صغيرة تتكرر كل يوم..
حتى يصبح احتمالها أسهل من محاولة تغييرها..
يبدأ الأمر أحيانًا بشيء يشبه الحب…
ثم يكبر قليلًا…
يتحول إلى رضا..
ثم إلى صمت..
ثم إلى تنازل..
ثم يصبح التنازل عادة..
والخوف عادة..
والانتظار عادة..
حتى لا يعود أحد يعرف متى بدأت الحكاية أصلًا…
وفي مكانٍ ما، تكبر الزنزانة مع صاحبها…
يتغير شكلها كلما تغيّرت الحياة..
مرة تكون جدارًا..
ومرة تكون بابًا لا يُفتح..
ومرة تكون كلمةً تُقال بنبرةٍ واحدة..
فتُسكت سنوات من الكلام…
ومرة تكون نظرةً تكفي لتعيد الإنسان خطوات إلى الوراء…
كلما ظن الألم أنه وصل إلى نهايته…
جاءه زلزال آخر…
ليس زلزالًا واحدًا..
بل زلازل متتابعة داخل المكان نفسه…
يهتز جدار…
ثم يسقط جدار..
ثم يظهر خلفه جدار آخر..
وكأن النجاة لم تكن سوى انتقالٍ من زنزانة إلى زنزانة…
كان هناك دائمًا شيء يجب احتماله..
شيء يجب إخفاؤه..
شيء يجب ابتلاعه..
شيء يجب أن يبدو عاديًا أمام الآخرين..
حتى أصبحت كلمة “بخير” …
أحيانًا أكبر كذبة يمكن أن يقولها الإنسان وهو صادق في كل شيء آخر..
وفي الليل…
حين يهدأ كل شيء، تبدأ الأشياء التي لم تُقل بالحديث…
تعود الخطوات القديمة..
الأبواب..
الأصوات..
المواقف التي مرّت كأنها عابرة،لكنها بقيت في مكانٍ ما داخل الروح…
تعود كلها دفعة واحدة…
وكأن الذاكرة لا تعرف الرحمة..
ثم يأتي الصباح…
يُرتب الوجه..
يُخفى التعب..
تُمارس الحياة كالمعتاد..
وكأن شيئًا لم يحدث..
لكن الجسد لا يجيد الكذب طويلًا…
هناك أوجاع لا تجد طريقها إلى الكلام، فتبحث عن طريق آخر…
تظهر في ارتجافة..
في تعب..
في خطوةٍ لم تعد كما كانت.
في جسدٍ يطلب التوقف بعدما قضى سنواتٍ طويلة يرفض أن يتوقف….
وحين يسأل أحدهم:
“ما الذي حدث؟”
لا توجد إجابة واحدة..
لأن بعض الأوجاع ليست عبارة عن حادثة واحدة…
إنها تراكم…
سنوات فوق سنوات…
خوف فوق خوف…
تنازل فوق تنازل…
حتى يأتي يومٌ صغير في ظاهره..
لكنه يحمل ثقل كل الأيام التي سبقته..
هناك أشياء لا تُرى، لكنها تثقل صاحبها أكثر من الحديد…
وهناك من يحملون أعمارًا كاملة خلف ابتسامة…
يضحكون..
يعملون..
يتحدثون..
يعتذرون..
ويبدون أقوياء…
بينما في الداخل غرفة صغيرة لا يدخلها أحد…
غرفة امتلأت بما لم يُقال..
وبما لم يُفهم..
وبما لم يجد مكانًا آمنًا للخروج..
وربما لهذا السبب لا تكون أقسى الزنازين تلك التي تمنع الخروج…
بل تلك التي تجعل الخروج نفسه مخيفًا…
أن تعرف أن خلف الباب حياة..
لكن يدك لا تمتد إلى المقبض..
ليس لأن الباب مغلق..
بل لأن الخوف علّمك أن ما وراءه قد يكون أخطر من بقائك…
وهكذا يبقى الإنسان واقفًا بين رغبته في النجاة…
وخوفه من ثمنها…
لا هو قادر على العودة كما كان..
ولا قادر على المضي كما يريد..
فقط يقف هناك…
بين بابين…
يحمل كل ما حدث..
وكل ما لم يحدث..
وكل ما كان يمكن أن يكون..
وربما لهذا تبقى بعض الحكايات غامضة…
ليس لأن أصحابها لا يملكون ما يقولون.
بل لأن الألم أحيانًا يعرف أكثر مما ينبغي…
ويعرف أن بعض الحقائق، إذا خرجت من الزنزانة، لن تعود إليها وحدها…
لذلك يصمت..
ويكتب حول الوجع..
يلمح ولا يصرّح..
يترك الجدار يتكلم بدلًا عنه..
ويضع نقطة…
ثم أخرى…
ثم يترك ما تبقى خلف الستار..
فالزنزانة الكبرى ليست دائمًا مكانًا يمكن وصفه…
أحيانًا تكون شيئًا يسكن في الداخل..
وأقسى ما فيها..
أن الخوف قد يصبح هو الحارس، حتى بعد أن يختفي السجّان…
ولهذا…
بعض الأبواب لا تُفتح بالكلام..
وبعض الحكايات لا ينقصها الصدق…
ينقصها الأمان..
الأمان فقط….






