
سعود حماد العنزي
لم تكن كلمة صاحب السمو الملكي الأمير عبدالعزيز بن سلمان بن عبدالعزيز، وزير الطاقة ووزير الصناعة والثروة المعدنية، أمام المؤتمر العام السبعين للوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا، مجرد حديث عن برنامج نووي سلمي أو موارد معدنية جديدة؛ بل كانت رسالة سعودية واضحة للعالم عن دولة تعرف ماذا تريد، وتمضي نحو مستقبلها بثقة وشفافية، وتبني قوتها على العلم والاقتصاد والطاقة والموارد الوطنية.
فالمملكة التي رسخت على مدى عقود مكانتها بوصفها أحد أهم أعمدة استقرار أسواق الطاقة العالمية، تتحرك اليوم نحو مرحلة أوسع؛ مرحلة لا تتخلى فيها عن قوتها التقليدية، بل تضيف إليها مصادر جديدة للطاقة والمعرفة والتقنية، لتبني مزيجًا وطنيًا أكثر تنوعًا واستدامة، تكون الطاقة النووية السلمية أحد مكوناته المستقبلية.
وكان لافتًا في كلمة الأمير عبدالعزيز بن سلمان وضوح الرسالة السعودية بشأن برنامجها النووي. فالمملكة لا تبحث عن الغموض، ولا تعمل بعيدًا عن المجتمع الدولي، وإنما تؤكد أن برنامجها يقوم على الاستخدامات السلمية والشفافية والتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية والشركاء الدوليين.
وهذه ليست رسالة سياسية فحسب، بل تعبير عن نهج دولة واثقة من خياراتها؛ دولة تعلن مشروعاتها أمام العالم، وتربط طموحاتها بالتزاماتها الدولية، وتسعى إلى أن تقدم نموذجًا يمكن للدول الراغبة في الاستفادة من الطاقة النووية السلمية أن تنظر إليه باعتباره تجربة قائمة على المسؤولية والوضوح.
أما الإعلان عن اكتشاف موارد تقديرية بنحو 110 ملايين طن من الخام في منطقة المدينة المنورة تحتوي على تركيزات من اليورانيوم، فيفتح نافذة جديدة على حجم الثروة التي تختزنها أرض المملكة، ويؤكد أن ما تحت الأرض قد يكون جزءًا مهمًا من صناعة مستقبل المملكة، إلى جانب ما حققته فوق الأرض من نهضة اقتصادية وصناعية وتقنية. (Reuters)
إن اليورانيوم والمعادن الأرضية النادرة لا تمثل مجرد موارد طبيعية؛ بل ترتبط بصناعات متقدمة وسلاسل إمداد استراتيجية وتقنيات المستقبل. ومن هنا تبرز أهمية توجه المملكة نحو استكشاف مواردها واستثمارها ضمن منظومة وطنية تربط بين الطاقة والتعدين والصناعة والتقنية.
والمشروع الوطني للطاقة الذرية في المملكة يقوم أساسًا على إدخال الطاقة الذرية ضمن مزيج الطاقة الوطني، بما يدعم التنمية وينوع مصادر الطاقة، مع الالتزام بمتطلبات الأمن والأمان وضمانات عدم الانتشار والالتزامات الدولية. (وزارة الطاقة)
لقد كانت كلمة الأمير عبدالعزيز بن سلمان في فيينا أكبر من إعلان أرقام أو مشروعات؛ كانت إعلانًا عن فلسفة سعودية جديدة في صناعة القوة: النفط قوة، والغاز قوة، والمعادن قوة، والطاقة المتجددة قوة، والطاقة النووية السلمية قوة، لكن القوة الحقيقية تكمن في قدرة الدولة على جمع هذه العناصر ضمن مشروع وطني واحد يخدم الإنسان والاقتصاد ويحفظ حقوق الأجيال القادمة.
والسعودية اليوم لا تريد أن تكون مجرد مورد للطاقة التي يحتاج إليها العالم، بل شريكًا في صياغة مستقبل الطاقة نفسه.
وهنا تكمن دلالة الرسالة من فيينا: المملكة لا تخفي طموحها، لأنها لا تحتاج إلى إخفائه؛ فهي تمضي نحو المستقبل تحت ضوء الشمس، بشفافية دولية، وثروة وطنية، وقيادة تعرف أين تريد أن تصل بالسعودية.
إنها السعودية الجديدة؛ تستثمر ما فوق أرضها، وتكتشف كنوز ما تحتها، وتبني بعقول أبنائها مستقبلًا لا ينتظر العالم، بل يشارك في صناعته.






