
د/ عمرو خالد حافظ – متابعات
تبدأ رابطة الدوري الإسباني “لا ليغا” في أغسطس الجاري تطبيق تكنولوجيا “الكرة المتصلة” على نطاق واسع، لتصبح أول مسابقة وطنية محترفة لكرة القدم في العالم تستخدم هذه التقنية في جميع مبارياتها، بالتزامن مع تقنيتي حكم الفيديو المساعد والتسلل شبه الآلي.
وتدخل التكنولوجيا الجديدة الخدمة اعتباراً من الجولة الأولى من الموسم الجديد (2026 – 2027) ضمن مباريات دوري الدرجة الأولى، في خطوة تستهدف تقليل مساحة الخطأ في بعض القرارات التحكيمية وتعزيز شفافية المنافسة، إضافة إلى تطوير الطريقة التي يشاهد بها الجمهور المباريات عبر شاشات التلفزيون والمنصات الرقمية.
ولا تقتصر أهمية المشروع على مساعدة الحكام، إذ ستشكل البيانات التي تنتجها “الكرة المتصلة” أساساً لإطلاق “إكس بول”، وهي طبقة البيانات الرسمية الجديدة لـ”لا ليغا” التي تراهن عليها الرابطة لتطوير البث وتحليل المباريات والتجارب الرقمية للمشجعين خلال الأعوام المقبلة.
وجاء المشروع ثمرة تعاون بين رابطة الدوري الإسباني “لا ليغا” واللجنة الفنية للحكام وشركة “بوما” المصنعة للكرة الرسمية وشركة “كينكسون” الألمانية المتخصصة في تتبع الحركة والموقع وتحليل البيانات في الزمن الحقيقي، إذ جرى دمج مستشعر يعمل بالترددات اللاسلكية داخل كرة المباريات.
وينقل المستشعر بصورة مستمرة معلومات دقيقة عن موقع الكرة واللحظة التي تلامس فيها قدم اللاعب أو أي جزء آخر من جسمه، بينما تلتقط شبكة تضم نحو 12 هوائياً مثبتاً في كل ملعب البيانات الصادرة عنه وتدمجها في المنظومة التكنولوجية المستخدمة في المسابقة.
وتؤكد “لا ليغا” أن وجود المستشعر لا يغير سلوك الكرة أو أداءها أو خصائصها خلال اللعب، بعدما عملت الشركات المصنعة على دمج التكنولوجيا مع الحفاظ على المعايير المطلوبة لكرات المباريات في أعلى مستويات كرة القدم.
وأظهرت اختبارات التحقق والتجارب العمياء التي شارك فيها لاعبون عدم وجود اختلاف محسوس بين كرة المباريات العادية والكرة المزودة بالمستشعر من ناحية الإحساس أو المسار أو الوزن أو التوازن أو تجربة اللعب بصورة عامة.
وتتمثل إحدى أهم مزايا التكنولوجيا الجديدة في قدرتها على تحديد اللحظة الدقيقة التي تلامس فيها الكرة اللاعب، مما يمكن أن يقلل مساحة عدم اليقين في الحالات التي قد تصنع فيها أجزاء صغيرة جداً من الثانية فارقاً بين قرار وآخر.
وتتيح هذه البيانات دعماً إضافياً لقرارات تتعلق بالتسلل ولمس الكرة باليد والارتدادات واللمسات، فضلاً عن الركلات الركنية وحالات اللمس المزدوج وغيرها من المواقف التي يصبح فيها تحديد لحظة التلامس بدقة عاملاً حاسماً.
وبذلك لا تحل “الكرة المتصلة” محل تقنيات التحكيم القائمة، وإنما تضيف مصدراً جديداً إلى البيانات يمكن دمجه مع منظومتي حكم الفيديو المساعد والتسلل شبه الآلي، مما يساعد الحكام ومسؤولي تقنية حكم الفيديو المساعد في اتخاذ القرارات بصورة أكثر اتساقاً.
وترافق خطة تدريب موسعة لحكام الساحة وحكام الفيديو تطبيق التكنولوجيا، وتقودها اللجنة الفنية للحكام بهدف ضمان استخدام المعلومات بالطريقة نفسها في مختلف الملاعب وبيئات المباريات.
ولن تبقى البيانات التي تنتجها الكرة داخل غرفة حكم الفيديو المساعد، إذ تسعى “لا ليغا” إلى جعل جزء منها مرئياً ومفهوماً للمشاهد.
ومن أبرز هذه الخصائص إشارة أطلقت عليها الرابطة اسم “نبض القلب”، وهي إشارة صادرة من المستشعر تحدد اللحظة الدقيقة التي تلامس فيها الكرة، مما يمكن أن يساعد في اختيار الإطار الصحيح عند مراجعة حالات التسلل، ويقلل الجدل حول اللحظة التي بدأ عندها تحليل اللقطة.
وستُدمج هذه الإشارة في البث إلى جانب رسومات وتصورات مرئية تساعد في تحويل البيانات التقنية إلى معلومات يمكن للمشاهد فهمها بسهولة أكبر.
وستحصل وسائل البث والمعلقون أيضاً على مصدر إضافي للمعلومات خلال المباريات، بما يسمح بشرح بعض اللحظات المهمة بدرجة أكبر من الدقة، بدلاً من الاعتماد فقط على إعادة اللقطات والصور.
ويأتي إطلاق “إكس بول” باعتباره أحد أهم المخرجات المستقبلية للمشروع، إذ ستوفر طبقة البيانات الرسمية الجديدة لـ”لا ليغا” معلومات يمكن استخدامها في البث والمنتجات الرقمية والتجارب التفاعلية للمشجعين.
ومن بين البيانات التي يمكن إظهارها السرعة الدقيقة للتسديدات ومقدار الدوران الذي أضيف إلى الكرة ومسارها في بعض اللحظات المهمة، مما يفتح مجالاً أمام تقديم تفاصيل إضافية أثناء المباريات وبعدها.
وستكون التكنولوجيا متوافقة مع إشارة البث الدولية لـ”لا ليغا” ومنتجاتها الرقمية وتجارب “الشاشة الثانية”، على أن يبدأ طرح هذه الخصائص تدريجاً بعد الجولات الأولى من الموسم.
وبذلك تتحول الكرة من مجرد أداة لتنفيذ المباراة إلى مصدر بيانات يمكن أن يعيد تشكيل جانب من تجربة المشاهدة، وهو اتجاه يتوسع تدريجاً في كرة القدم الحديثة مع تزايد الاعتماد على البيانات في التحليل والبث وصناعة المحتوى.
ولا يعتمد نجاح التكنولوجيا على المستشعر وحده، إذ وضعت “لا ليغا” بروتوكولاً تشغيلياً شاملاً ينظم إعداد الكرات المتصلة والتحقق منها وشحنها وحفظها وإدارتها قبل المباريات وخلالها.
وتخصص الكرات المتصلة حصراً للمباريات الرسمية، ولن تستخدم أثناء عمليات الإحماء أو التدريبات، مما يضمن الحفاظ على جودة الإشارة وسلامة النظام.
وتتضمن كل مباراة 14 كرة متصلة، واحدة تكون قيد اللعب، وأخرى يحتفظ بها الحكم الرابع، بينما توضع 12 كرة في نقاط ثابتة حول الملعب ضمن نظام الكرات المتعددة.
وقبل بداية كل مباراة، تخضع كل كرة لعملية تتضمن تحديد هويتها وشحنها وفحصها والتحقق من صلاحية الإشارة والاتصال، كما يحدد البروتوكول المسؤوليات المتعلقة بإدارة الكرات والتعامل مع أية أعطال أو حوادث خلال المباراة.
ويهدف هذا الإطار إلى ضمان تطبيق التكنولوجيا بالطريقة نفسها في جميع الملاعب، بما يتماشى مع المعايير الجديدة التي بدأت مسابقات كرة القدم الدولية الكبرى اعتمادها.
ولا تبدو رابطة الدوري الإسباني راغبة في حصر التجربة في الدرجة الأولى، إذ تخطط لتوسيع نطاق استخدام “الكرة المتصلة” لتشمل الدرجة الثانية اعتباراً من الموسم التالي (2027 – 2028) وما بعده.
وبذلك لا يمثل المشروع مجرد إضافة تقنية إلى منظومة التحكيم، وإنما هو جزء من توجه أوسع لدى الرابطة الإسبانية لتطوير البنية الرقمية للمسابقة، فتصبح بيانات المباراة نفسها عنصراً أساساً في التحكيم والبث والتحليل وتجربة المشجع.






