
عبدالله التهامي – المدينة المنورة
في بعض بيئات العمل، قد يجد الموظف نفسه أمام واقع مؤلم لا يعرف كيف يفسّره، سنوات طويلة من العمل والاجتهاد، ثم قرار مفاجئ بالنقل أو التهميش أو حرمانه من فرص الترقية، دون أن يُمنح فرصة لمعرفة الأسباب أو حتى سماع وجهة نظره، المشكلة لا تكمن في النقل الوظيفي بحد ذاته، فقد يكون النقل أحياناً حاجة تنظيمية أو مصلحة للعمل، وإنما تكمن في طريقة اتخاذ القرار، وغياب الشفافية، وعدم التواصل مع الموظف، فكيف يشعر موظف أمضى عدة سنوات في خدمة منشأته و عدة سنوات على نفس المرتبة وبذل جهده، والتزم بعمله، ويظلم ف تقييم الأداء ويجد نفسه فجأة منقولاً إلى جهة أخرى دون أن يعرف لماذا؟
كيف يمكن أن يشعر هذا الموظف بالعدالة عندما يرى أن الموظف المجتهد يتم تجاهله، بينما يحصل آخرون على الترقيات والمكافآت والعمل الإضافي، رغم أن أداءهم ليس بالضرورة أفضل؟
عندما تغيب العدالة يصبح الموظف لا يبحث دائماً عن منصب أو مكافأة، بقدر ما يبحث عن الشعور بأنه مقدَّر ومحترم، وعندما يشعر الموظف أن اجتهاده لا ينعكس على مستقبله الوظيفي، وأن سنوات خدمته لا تمنحه حقاً واضحاً في التطور، من هنا تبدأ مشاعر الإحباط بالتراكم والأكثر إيلاماً أن بعض الموظفين قد لا يحصلون حتى على تفسير واضح للقرارات التي تمس مستقبلهم الوظيفي.
قد يستيقظ الموظف ذات يوم ليجد قرار نقله قد صدر، دون اجتماع مسبق، ودون حوار، ودون أن يعرف ما الخطأ الذي ارتكبه أو ما المبرر الإداري لهذا القرار، وهنا يصبح السؤال مشروعاً أين صوت الموظف، هل أصبحت الموارد البشرية في صف الإدارة فقط، أن الموارد البشرية في أي منشأة ليست مجرد إدارة لتنفيذ القرارات الإدارية، وإنما يفترض أن تكون حلقة وصل حقيقية بين الموظف والإدارة، وأن تسهم في تحقيق التوازن بين مصلحة العمل وحقوق الموظف، لكن عندما يشعر الموظف أن إدارة الموارد البشرية تستمع إلى المسؤول أكثر مما تستمع إلى الموظف، وأنها تتعامل مع قرارات المدير باعتبارها أمراً نهائياً دون النظر إلى ظروف الموظف أو سماع دفاعه، فإن الثقة تبدأ في التراجع، ليس المطلوب من الموارد البشرية أن تقف ضد المدير، كما أنها ليست مطالبة بالوقوف مع الموظف ضد الإدارة، وإنما المطلوب أن تقف مع العدالة، فالمدير قد يملك سلطة اتخاذ القرار، لكن هذه السلطة يجب ألا تعني غياب الحوار أو إلغاء حق الموظف في معرفة الأسباب التي أثرت في مسيرته الوظيفية.
المدير ليس دائماً على حق، المنصب الإداري لا يعني أن صاحبه لا يخطئ، قد يكون المدير مجتهداً وعادلاً، وقد يكون هناك مدير آخر يتعامل مع موظفيه وفق الانطباعات الشخصية أو العلاقات أو القرب منه، وهنا تكمن خطورة غياب الرقابة المؤسسية.
ومن أخطر الممارسات أن يصبح تقييم الموظف مرتبطاً بعلاقته مع مديره، بدلاً من أن يكون مبنياً على معايير واضحة وقابلة للقياس.
فالموظف الذي يعمل بصمت، ويلتزم بالحضور، وينجز مهامه، ويخدم المنشأة لسنوات، يستحق أن تكون له فرصة حقيقية في التطور والترقية، لا أن يصبح الاجتهاد سبباً لمزيد من الأعباء بينما تذهب المكافآت والفرص إلى غيره، فالموظف ليس رقماً في ملف، وليس مجرد اسم في كشف الرواتب، وليس شخصاً يمكن نقله من مكان إلى آخر دون أن يُسمع صوته.
فخلف كل موظف سنوات من الجهد، وطموحات، وأسرة، والتزامات وديون وقروض وتطلعات مهنية، ولهذا فإن أي قرار يمس مستقبل الموظف يجب أن يتعامل معه بقدر كبير من المهنية والإنسانية.
حتى إدارات التميز المؤسسي لا ينبغي أن تكون بعيدة عن هذه الصورة، فالتميز المؤسسي ليس شعارات وتقارير ومؤشرات فقط، وإنما هو أيضاً عدالة في الإجراءات، ووضوح في القرارات، وقياس لرضا الموظفين، ومعالجة لمواطن الخلل داخل بيئة العمل، فإذا كان الموظف يشعر بالظلم، ولا يجد قناة فعالة يسمع من خلالها صوته، فإن ذلك مؤشر يستحق الدراسة، وليس مجرد شكوى عابرة.
المنشآت الناجحة لا تقاس فقط بحجم إنجازاتها، وإنما أيضاً بطريقة تعاملها مع الإنسان الذي يقف خلف هذا الإنجاز.
إن العدالة الوظيفية ليست ترفاً إدارياً، بل هي أساس للاستقرار والولاء والإنتاجية.
وعندما يشعر الموظف أن صوته مسموع، وأن الموارد البشرية موجودة لحماية العدالة قبل تنفيذ القرارات، عندها فقط يمكن أن نقول إننا أمام بيئة عمل حقيقية، ومؤسسة تحترم الإنسان قبل المنصب.
أما حين يصبح الموظف آخر من يستشار، وأول من يتحمل نتائج القرارات، فهنا يجب أن نتوقف ونسأل
هل نحن نبني مؤسسات متميزة فعلًا أم نبني مؤسسات تبدو متميزة على الورق فقط؟






