
بقلم: نجد المري
مديرة الزمالة السعودية للمشاركة المجتمعية
خريجة الدفعة الأولى – 2026
في البداية، لم تكن هناك 48 شهادة، ولا منصة تكريم، ولا صورة ختامية تجمع الوجوه.
كان هناك سؤال:
ماذا لو لم نتحدث عن المشاركة المجتمعية بوصفها مفهومًا، بل نصنع ممارسين يحوّلونها إلى قرار، وممارسة، وحل، وأثر؟
من هذا السؤال بدأت الحكاية.
وصلت 241 رغبة، واختير من بينها 48 مشاركًا. لم نكن نعرف يومها أن الرقم «48» سيصبح أكثر من عدد؛ سيصبح حكايات تستحق أن تُروى، وأثرًا يمتد إلى ما بعد الزمالة.
62 ساعة من التعلم، و480 مهمة أدائية، ثم خرجت المعرفة من القاعة إلى الميدان؛ 12 أسبوعًا، و47 جهة، و5,640 ساعة من التطبيق، و188 تقريرًا.

وهناك، بدأت الزمالة تكشف حقيقتها.
فالمشاركة المجتمعية لا تُفهم من خلف الطاولات؛ تُفهم حين ترى الحاجة قبل أن تصوغ الحل، وتستمع قبل أن تقرر، وتقيس الأثر قبل أن تحتفل به.
ثم فتحنا نافذة على العالم؛ أربع دول، و40 جهة، و58 خبيرًا، و146 ساعة من التعلم التنفيذي. لم نبحث عن نماذج ننسخها، بل عن تجارب نفهمها، ونقرأها، ثم نعيد صياغة ما يناسب سياقنا ومستهدفات رؤية وطننا 2030.
وعندما عدنا، لم يكن المطلوب أن نحكي ما رأيناه.
كان المطلوب أن نصنع شيئًا.
فكانت 47 فكرة في صورة مشاريع تخرج، خضعت لتقييم ستة محكمين متخصصين.
وهنا أدركت أن الزمالة لم تعد برنامجًا؛ لقد أصبحت مختبرًا لصناعة الممارسة.

كنت أعيش الرحلة معهم بعينين: عين قائدة، وعين متعلمة.
كنت أرى ما لا تظهره الأرقام: سؤالًا تغيّر، وفكرةً نضجت، وترددًا تحوّل إلى قرار، ومشاركًا اكتشف قدرة أكبر مما كان يظن.
ثم جاء يوم الختام.
وقف 48 خريجًا في المشهد الأخير، ووقفتُ معهم خريجةً أيضًا.
قد يظن من يرانا أن الرحلة انتهت هنا، لكنني كنت أعرف أن هذا هو المكان الذي تبدأ فيه الحكاية الحقيقية.
فالشهادة لا تصنع الأثر، والحفل لا يصنع الفخر، والمعرفة وحدها لا تصنع التغيير.
الأثر يبدأ عندما يعود الإنسان إلى موقعه، ويحمل معه طريقة مختلفة في التفكير، وأدوات مختلفة في العمل، وشجاعة أكبر لصناعة التغيير.

لذلك لم يكن سؤالنا: ماذا تعلمتم؟
بل:
ماذا ستفعلون بما تعلمتم؟
اليوم، انتهت النسخة الأولى، لكنها ليست نهاية الحكاية.
إنها الصفحة الأولى من كتاب أكبر؛ كتاب ستكتبه الممارسة، وتراجعه التجربة، وتثبت فصوله الأيام.
أما «الثمانية والأربعون»، فلم يعودوا مجرد خريجين.
إنهم بداية شبكة من الممارسين والأفكار والمبادرات التي يمكن أن يتسع أثرها كلما تحرك أحدهم خطوة جديدة نحو مجتمعه.
ولهذا، حين أستعيد المشهد الأخير، لا أتذكر المنصة وحدها.
أتذكر السؤال الأول.
وأبتسم…
لأننا لم نكن نبحث عن نهاية جميلة لرحلة تعليمية، بل كنا نبدأ رحلة أخرى.
رحلة الأثر.
هنا تُختتم الرحلة… ويبدأ الأثر.






