
بقلم:عبدالعزيز عطيه العنزي
يشهد القطاع الإعلامي في المملكة تحولات تنظيمية كبرى تهدف إلى ترسيخ المهنية وتعزيز جودة المخرجات. وفي ظل هذا الحراك، برزت ظاهرة “الأندية الإعلامية التطوعية” التي تنتشر بوتيرة متسارعة، مثيرةً تساؤلات جوهرية حول الحدود الفاصلة بين العمل التطوعي النبيل، وبين الممارسة الإعلامية التي تحكمها أنظمة وتشريعات دقيقة.
المنطقة الرمادية: حين يتجاوز التطوع حدوده
إن التحدي الأكبر اليوم لا يكمن في وجود هذه الأندية ككيانات تطوعية، بل في تحولها إلى “كيانات موازية” تمارس العمل الإعلامي والأدبي دون تراخيص نظامية. فمن الناحية التنظيمية، تتبع الأنشطة الإعلامية لوزارة الإعلام، بينما تتبع الأنشطة الأدبية لهيئة الأدب والنشر والترجمة. وعندما يقدم نادٍ تطوعي أمسيات أدبية أو فعاليات إعلامية كبرى دون غطاء قانوني، فإنه لا يقتحم اختصاصات الجهات المرخصة فحسب، بل يضعف جودة المشهد العام ويشتت المخرجات التخصصية.
المؤسسات النظامية.. في مواجهة “المنافسة غير العادلة”
لا يمكن إغفال التباين الصارخ بين المؤسسات الإعلامية والأدبية التي تستثمر الملايين وتلتزم برسوم التراخيص والمتطلبات القانونية الصارمة، وبين أندية تطوعية تقيم فعالياتها “بلا حسيب ولا رقيب”. إن هذا التفاوت يخلق حالة من “المنافسة غير العادلة”، ويطرح تساؤلاً مشروعاً: هل من العدالة أن تتحمل المؤسسة الرسمية أعباء التنظيم والرقابة، بينما تُترك الساحة لأندية تعمل خارج إطار التراخيص؟
“هاوي” ومأزق التوسع
لقد جاءت منصة “هاوي” لتكون مظلة تنظيمية للهوايات، وهو توجه محمود يهدف لضبط القطاع غير الربحي. إلا أن الإشكالية تبرز حينما تحاول أندية الهواة التلبس بعباءة “المؤسسات الإعلامية المحترفة”. إن الخلط بين مفهوم “الهواية” و”المهنة” أدى إلى تجاوزات في الصلاحيات. ومع ذلك، فإن التوجه الحالي نحو حوكمة القطاع الثالث يشير إلى أن مرحلة “التساهل” في طريقها للنهاية، حيث ستبدأ الجهات الإشرافية في تطبيق تقييم أداء صارم يحاسب كل كيان يتجاوز اختصاصه المسجل.
خارطة طريق نحو الانضباط
للحد من هذا التداخل وضمان أن يقوم كل ذي تخصص بدوره، يبدو أننا بحاجة إلى إجراءات عاجلة:
* تفعيل الرقابة النوعية: إطلاق آلية بلاغات مباشرة ضد الفعاليات الإعلامية أو الأدبية التي تُنظم دون تراخيص، مع ربط منصة “هاوي” بجهات الاختصاص (وزارة الإعلام وهيئة الأدب) للتأكد من عدم تجاوز النطاق الجغرافي أو المهني للترخيص.
* الحوكمة تحت المظلات الرسمية: توجيه الفرق التطوعية لتعمل حصراً تحت مظلة جمعيات متخصصة أو مؤسسات رسمية، بحيث تصبح الجمعية “المظلة القانونية” والمسؤولة عن أي ممارسة إعلامية، مما يضمن وجود مرجعية واضحة للمساءلة.
* توضيح الحدود الفاصلة: إصدار دليل إرشادي واضح للفرق التطوعية يحدد “المسموح” و”الممنوع” من الأنشطة، وفصل المهام الإعلامية عن الأدبية، لضمان تكامل القطاعات لا تصادمها.
خاتمة
إن العمل التطوعي قيمة حضارية لا يمكن الاستغناء عنها، لكن إعلامنا وأدبنا هما واجهة الوطن التي لا تحتمل الارتجال. إن حوكمة الأندية التطوعية ليست تضييقاً على المبادرات، بل هي حماية لمهنية القطاع، وضمانة لأن تكون كل فعالية – صغيرة كانت أو كبيرة – إضافة نوعية للمشهد السعودي، لا مجرد رقم إضافي في قائمة الفعاليات غير المنظمة.





