
بقلم الكاتبة حنان حسن الخناني
هناك لقاءات تمر مروراً عابراً، وهناك لقاءات تكتبها الأيام بماء القلب، فتظل شاهدة على أن الزمن، مهما طال، لا يستطيع أن ينتزع من الأرواح صدق المودة، ولا أن يمحو من الذاكرة جمال البدايات.
بعد أكثر من ثلاثين عاماً من الغياب، شاءت الأقدار أن تجمعني بصديقات الطفولة والدراسة، منذ المرحلة الابتدائية وحتى الثانوية، ثم افترقنا حين مضت كل واحدة منا في طريقها العلمي والعملي، وتفرقت بنا المدن والبلدان، غير أن خيط المحبة ظل ممتداً في أعماق القلوب، ينتظر لحظة اللقاء.
وفي أمسية لا تشبه إلا الذكريات الجميلة، كانت الدعوة الكريمة من صديقتي الوفية الأستاذة سميرة سالم الريفي، المساعد الإداري بمكتب مساعدة المدير العام، ومسؤولة العلاقات العامة بتعليم جدة، التي لم تفتح لنا باب منزلها فحسب، بل فتحت لنا باباً واسعاً من الحنين والوفاء، وهيأت لنا لقاءً سيظل محفوراً في الذاكرة ما حيينا.
استقبلتنا بابتسامتها الصادقة، وأحاطتنا بحفاوة جعلتنا نشعر أن ثلاثين عاماً لم تكن سوى أيام قليلة.
وضم اللقاء الدكتورة ميساء الراوي، أستاذة بجامعة أم القرى، والسيدة الفاضلة فاطمة باشماخ، والأستاذة ولاء النزاوي، معلمة الرياضيات بالمرحلة الثانوية، وابنة مضيفتنا الوحيدة، وبرفقتها ابنتها الطالبة ميس الزهراني. كما شاركتنا هذه الأمسية مرام الثبيتي، كنة مضيفتنا، والأستاذة ماريا الريفي، أستاذة الفقه والسنة، ومعهما عمتهما الكريمة، فكان الجميع مثالاً للرقي، وكرم الضيافة، وحسن الاستقبال.
وما إن تعانقت الأرواح قبل الأيدي، حتى سقطت بيننا ثلاثة عقود كاملة، وعدنا طالبات صغيرات نجلس على مقاعد الدراسة، نستعيد أسماء المعلمات، ومواقف الفصول، وضحكات الفسحة، وبراءة الطفولة، وشقاوة الصبا، ضحكنا حتى اغرورقت أعيننا بالدموع، وبكينا شوقاً على أيام مضت، لكنها لم تغادر قلوبنا يوماً.
كان الحديث ينتقل بين الأمس واليوم بانسياب عجيب، وكأن العمر صفحة واحدة، نتأمل فيها كيف مضت السنوات مسرعة، وكيف حملت كل واحدة منا نصيبها من الأفراح والتحديات، بينما بقيت المحبة ثابتة، لا يغيرها الزمن، ولا تبهتها المسافات.
ثم اجتمعنا حول مائدة عشاء أعدتها صديقتنا الغالية بكل حب وسخاء، فلم تكن مجرد مائدة عامرة بأطيب الأطباق، بل كانت مائدة عامرة بالمودة والوفاء، اجتمعت حولها القلوب قبل المقاعد، لنحتفل بنعمة اللقاء بعد طول الفراق.
ومن أجمل لحظات تلك الأمسية، لحظة توقيع مؤلفاتي لصديقات العمر، وما رأيته في أعينهن من فرحة واعتزاز، ثم وعدهن الجميل بزيارة المدينة المنورة، للسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم
ثم زيارتي والتعرف إلى عائلتي الصغيرة، ليكون هذا اللقاء بداية لسلسلة من اللقاءات التي نرجو أن يباركها الله، وأن يديمها بالمحبة.
خرجت من تلك الليلة وأنا أكثر يقيناً بأن الصداقة الصادقة لا تهزمها السنوات، وأن الوفاء الحقيقي لا يعرف الغياب، بل ينتظر اللحظة التي يجتمع فيها الأحبة، فيعود الزمن جميلاً كما كان.
شكراً لصديقتي الوفية الأستاذة سميرة سالم الريفي، ولكل صديقات العمر الجميل، فقد منحتموني ليلة تؤرخ في سجل العمر، وستظل محفورة في القلب، وأثبتم أن أجمل الذكريات ليست تلك التي مضت، بل تلك التي تعود إلينا فجأة، فتجعلنا نبتسم كما لو أننا لم نكبر يوماً.
ولعل أجمل ما خرجت به من هذه الأمسية أن بعض اللقاءات لا تقاس بساعاتها، بل بما تتركه من أثر في القلب ، فهناك لقاءات تنتهي بانتهاء الوقت، وهناك لقاءات تؤرخ، لأنها تعيد إلينا جزءاً من أرواحنا، وتؤكد أن الوفاء، إذا سكن القلوب، انتصر على الزمن، وأن ثلاثين عاماً من الغياب لا تستطيع أن تمحو لحظة صادقة من المحبة.






