
بقلم: فاطمة إبراهيم البلوي
“ليس أكثر ما يؤلمني ما اقترفتموه بحقي، بل أنكم كنتم تعلمون تمام العلم أين يكمن ضعفي…
ثم اخترتم أن تجعلوه ساحةً لانتصاراتكم الصغيرة…
كنتم تعرفون موضع الكسر في قلبي…
فلم تكتفوا برؤيته..
بل بالغتم في الضغط عليه حتى لم تتركوا فيه موضعًا صالحًا للترميم…
لم يكن وجعي في الفعل ذاته..
بل في اليد التي امتدت عليه..
كانت اليد التي ظننتها يومًا مأمنًا..
فإذا بها أول من يعلّمني أن أقسى السقوط هو الذي يأتي من حيث نظن النجاة…
كنت أؤمن أن القلوب التي أحببناها لا تعرف كيف تؤذينا…
حتى اكتشفت أن أشد الجراح هي تلك التي يحملها إلينا من حفظنا له مكانًا لا يبلغه أحد…
لقد قتلتم في داخلي شيئًا لم أكن أظن أنه يموت يومًا…
قتلتم حسن الظن..
وأطفأتم نور الثقة..
وجعلتم الخوف رفيق كل علاقة..
والخذلان ظلًّا يسبق كل خطوة..
لم أعد كما كنت..
ولن أعود كما كنت…
لأن بعض الكسور لا يرممها الزمن..
بل يعلّمها فقط كيف تتعايش مع الألم…
كم هو موجع أن تكتشف متأخرًا أن من كنت تستند إليه..
كان أول من يدفعك نحو الهاوية…
وأن من كان يسمع دعاءك له..
كان يصنع في الخفاء أسباب دمو!عك…
وأن من كنت تحفظ له مكانته في قلبك..
لم يحفظ لك حتى إنسانيتك…
واليوم أيقنت أن بعض البشر لا يؤذون لأنهم يجهلون…
بل لأنهم يعرفون جيدًا أين يكون الوجع…
ثم يختارون الوصول إليه بلا رحمة..
يبتسمون وهم يشاهدون قلبًا كان ينبض لهم وهو يتشقق بصمت…
وكأن انتصارهم لا يكتمل إلا على أنقاض روحٍ أحبتهم بصدق…
لم أعد أبحث عن اعتذار…
لأن الاعتذار لا يعيد قلبًا ماتت فيه الطمأنينة..
ولا يرمم روحًا استنزفتها الخيبات..
هناك أوجاع لا يشفيها الكلام…
ولا يمحوها الندم…
لأنها غيّرت الإنسان من الداخل…
وسلبته الجزء الأكثر نقاءً فيه..
وسأظل أتعجب…
كيف هان عليكم وجعي…!!
وأنتم أكثر الناس معرفةً بما مررت به؟!كيف استطعتم أن تكونوا خصمًا لمن كان يعدّكم أهله وسنده؟!
أي قسوة تلك التي تجعل الإنسان يرى انكسار من أحبه،ثم يمضي وكأن شيئًا لم يكن؟!
لقد خسرتم قلبًا كان يغفر قبل أن يُعتذر إليه..
ويبرر قبل أن يُسأل..
ويحب بصدق لا يعرف الحساب..
وستدركون يومًا أن أعظم النِّعم ليست كثرة من حولكم…
بل وجود قلبٍ صادق كان يدعو لكم في غيابكم..
ويستر عيوبكم..
ويمنحكم من نفسه أكثر مما تمنحونه له…
أما أنا…
فسأترك كل شيء لعدالة السماء..
فالله وحده يعلم كم مرةً ابتسمت وأنا أخفي انهياري…
وكم ليلةً حملت فيها من الألم ما لو وُزِّع على الجبال لتصدعت…
ويعلم أنني ما تمنيت لأحد ما ذقته..
رغم أن كثيرين كانوا سببًا فيه….
اللهم إنك ترى ما لا يراه أحد..
وتعلم ما أخفته نفسي حياءً وصبرًا..
فاجبر كسري جبرًا يليق بعظمتك..
وعوّض قلبي عن كل وفاءٍ أُهين..
وعن كل ثقةٍ خُذلت..
وعن كل دمعةٍ نزلت ظلمًا..
واجعل لي من بعد هذا الألم سلامًا لا يعكره بشر…
وقوةً لا يكسرها أحد…
ويقينًا بأن عدلك لا يضيع، وإن طال الانتظار…







