مقالات وشعر

رشيد الحمد.. من ملاعب نعام إلى ميادين التعليم والرياضة

ا. لمياء المرشد

لكل إنسان حكاية تبدأ من المكان الذي نشأ فيه، وتكبر مع الأيام بما يتركه من أثر في حياة الآخرين. وحكايتي بدأت من مركز نعام، تلك القرية الزراعية العريقة والجميلة التابعة لمحافظة الحريق، التي كانت بالنسبة لي المكان الأول الذي تشكلت فيه شخصيتي، وتعلمت في أجوائها معنى الانتماء والعمل والطموح.

ولدت في نعام ونشأت بين أهلها ومزارعها وبيئتها الاجتماعية، ودرست فيها المرحلتين الابتدائية والمتوسطة. ومنذ سنوات الدراسة المبكرة وجدت نفسي قريبًا من الرياضة، وبالذات كرة القدم، إلى جانب اهتمامي بألعاب القوى، وخاصة مسابقات المسافات القصيرة.

كانت كرة القدم في تلك المرحلة أكثر من مجرد هواية؛ كانت مساحة لاكتشاف الذات، والعمل الجماعي، وتحمل المسؤولية. لعبت حارسًا لمرمى فريق نعام وفريق الأمل، وحققنا نتائج متميزة على مستوى محافظة حوطة بني تميم، وكنا من الفرق المنافسة والحاضرة في عدد من البطولات.

وكان لي، بفضل الله، مساهمات مؤثرة في تحقيق تلك الإنجازات، خصوصًا في المباريات التي حُسمت بركلات الترجيح، حيث تمكنت من التصدي لعدد من ركلات الجزاء، وأسهم ذلك في تحقيق البطولات والتأهل للمنافسة على مستوى منطقة الرياض.

ومن نعام انتقلت إلى نادي الحريق بالحريق، الذي كان يُعرف سابقًا باسم نادي الفرع، ومثلته في عدد من المباريات، وواصلت من خلاله مسيرتي الرياضية. ومن أبرز محطات تلك المرحلة وصول النادي إلى دور الـ32 في كأس الملك، ومواجهة نادي النصر في مباراة تاريخية بقيت عالقة في الذاكرة.

كانت تلك المباراة محطة مهمة في مسيرتي، ليس فقط لأنها كانت أمام فريق كبير بحجم النصر، وإنما لما قدمته خلالها من مستوى لفت أنظار المتابعين. وأتذكر باعتزاز ما قاله لي الأمير الراحل عبدالرحمن بن سعود، رحمه الله، بعد المباراة، حين أشاد بمستواي وأكد أنني أملك المقومات التي تؤهلني للعب في أحد أندية الدرجة الممتازة.

وظلت كلمات الأمير عبدالرحمن بن سعود، رحمه الله، شهادة أعتز بها، وحافزًا مهمًا في مسيرتي الرياضية، حتى وإن أخذت حياتي بعد ذلك طريقًا آخر، كان التعليم والدراسة أحد أهم ملامحه.

من الرياضة إلى التربية

انتقلت إلى الرياض، والتحقت بمعهد التربية الرياضية، وتخرجت بعد ثلاث سنوات، محققًا الترتيب الثالث على الدفعة من بين 140 خريجًا.

كانت تلك المرحلة نقطة تحول مهمة في حياتي، فقد أدركت أن الرياضة ليست منافسة في الملاعب فقط، وإنما وسيلة تربوية يمكن من خلالها بناء الإنسان وتعزيز الانضباط والعمل الجماعي وتحمل المسؤولية.

بدأت عملي في مدارس الأبناء التابعة لوزارة الدفاع، حيث عملت في مجال التعليم، وكانت تلك المرحلة من أجمل مراحل حياتي المهنية والإنسانية.

ثم واصلت مسيرتي الأكاديمية بالالتحاق بجامعة الملك سعود – كلية التربية، قسم التربية البدنية، وحصلت على درجة البكالوريوس، قبل أن أنتقل للعمل منسقًا للبرامج والتدريب بإدارة الشؤون الرياضية بالقوات البرية لمدة ثلاث سنوات.

ولم أتوقف عند حدود الخبرة العملية، بل واصلت طريقي الأكاديمي بالحصول على درجة الماجستير، ثم الدكتوراه في التربية والمناهج وطرق التدريس، إيمانًا مني بأن العمل التربوي والرياضي يحتاج إلى العلم والخبرة معًا.

مدارس الأبناء.. بناء الإنسان قبل الإنجاز

كانت مدارس الأبناء محطة مهمة في مسيرتي، فقد عشت فيها تجربة تربوية ومهنية ثرية، ثم كُلّفت مديرًا للمرحلة المتوسطة بمدارس الأبناء في إسكان البحرية لمدة سنتين.

ولم يكن التعليم بالنسبة لي مجرد وظيفة، بل كان رسالة. كنت أؤمن بأن درس التربية البدنية يمكن أن يكون من أهم الدروس في بناء شخصية الطالب إذا قُدم بأسلوب تربوي صحيح، يجمع بين المهارة والمتعة والانضباط والقيم.

وكانت مدارس الأبناء متميزة في تجهيزاتها وملاعبها واهتمامها بالطلاب، وكان طلابها على مستوى عالٍ من الأدب والأخلاق والتميز العلمي والرياضي.

وكنت حريصًا على أن يكون درس التربية البدنية مختلفًا، وأن أقدم للطلاب ما تعلمته من خبرات ومهارات، حتى أصبح كثير منهم ينتظرون الدرس ويتفاعلون معه.

ولا تزال في الذاكرة ذكريات الاصطفاف الصباحي، والمواقف الجميلة مع الطلاب، والحفلات السنوية التي كانت تجمع الطلاب والمعلمين وأولياء الأمور في أجواء تربوية مميزة.

وأشعر اليوم بالفخر عندما أرى عددًا من أولئك الطلاب الذين درستهم في مدارس الأبناء وقد أصبحوا رجالًا يخدمون وطنهم في مجالات عسكرية ومدنية وتعليمية مختلفة.

كما عملت محاضرًا متعاونًا مع كلية التربية البدنية والرياضية بجامعة الملك سعود لمدة ست سنوات، وكانت تجربة ثرية أتاحت لي الجمع بين الخبرة الميدانية والتجربة الأكاديمية.

التنس.. تجربة امتدت أكثر من ثلاثة عقود

كان دخولي عالم التنس من المحطات المهمة في حياتي الرياضية. بدأت ممارسة التحكيم في سن مبكرة، ثم انتقلت إلى العمل الإداري والفني في اللعبة، وكان لي شرف العمل إلى جانب الأستاذ أحمد فؤاد تمام، الذي كان أستاذي في معهد التربية الرياضية، وتعلمت منه الكثير.

ساهمت خلال تلك المرحلة في نشر لعبة التنس وتطويرها، والإشراف على عدد من مراكز التنس، ومن بينها مركز التنس بالملز، حيث عملنا على اكتشاف المواهب وصقلها، وسجلنا عددًا من اللاعبين الذين واصلوا مسيرتهم وأصبحوا لاحقًا أسماء فاعلة في ميدان التنس السعودي.

كما شاركت في العمل في الاتحاد السعودي للتنس، وتوليت عددًا من المسؤوليات الفنية والإدارية، وانتُخبت رئيسًا للجنة الفنية والتطوير في الاتحاد العربي للتنس.

واستمر ارتباطي باللعبة سنوات طويلة قاربت ثلاثة عقود وأكثر، كانت حافلة بالتجارب والبطولات والعمل مع أجيال متعددة من اللاعبين والمدربين والإداريين.

ومن أجمل ما أعتز به في هذه الرحلة خدمة اللعبة إلى جانب رجال مخلصين، وفي مقدمتهم الأمير الراحل فيصل بن فهد، رحمه الله، الذي كان داعمًا للرياضة والرياضيين، وتشرفت بخدمة الرياضة خلال فترة امتدت لسنوات.

كما حظيت بتكريم من الاتحاد الدولي للتنس خلال اجتماعه في مراكش بالمملكة المغربية، تقديرًا لخدمة لعبة التنس في المملكة والوطن العربي.

وتشرفت كذلك بتكريم ودرع من الأمير فيصل بن فهد، رحمه الله، رئيس الاتحاد العربي للألعاب الرياضية، خلال اجتماع الاتحاد في مصر، وتسلمت التكريم من الأمير نواف بن فيصل خلال فترة رئاسته لقطاع الشباب.

التحكيم والعمل الفني والرياضة المدرسية

لم تقتصر تجربتي الرياضية على اللعب والإدارة، فقد دخلت مجال التحكيم ووصلت إلى الدرجة الأولى، وكان ذلك امتدادًا طبيعيًا لتجربتي الرياضية ورغبتي في فهم اللعبة من مختلف جوانبها.

كما شاركت في عضوية الاتحاد السعودي للرياضة المدرسية لمدة أربع سنوات، وتوليت رئاسة اللجنة المدرسية والجامعية، وأسهمت في تنظيم والإشراف على عدد من البطولات والدورات، وهو ما أتاح لي الجمع بين خبرتي في التعليم وخبرتي في الرياضة والتحكيم والعمل الإداري.

من الميدان إلى الإشراف التربوي

انتقلت بعد ذلك إلى وزارة التعليم، وتوليت مسؤوليات في مجال التربية البدنية والإشراف التربوي، من بينها رئاسة قسم التربية البدنية، وشاركت مع الزملاء في تطوير العمل وتنفيذ البرامج والدورات والمناشط المختلفة.

وكانت هذه المرحلة مهمة في مسيرتي؛ لأنها نقلتني من ممارسة التعليم داخل المدرسة إلى الإسهام في تطوير التعليم والإشراف على الميدان التربوي، والاستفادة من الخبرة التي اكتسبتها خلال سنوات طويلة في التدريس والرياضة والتحكيم.

الإدارة والتطوير في التعليم الأهلي

انتقلت بعد ذلك إلى قطا التعليم الأهلي، وكانت لي مساهمة في تأسيس وتطوير مدارس المتقدمة الأهلية بالعقيق، وشاركت في الإشراف على المدرسة منذ بدايات تأسيسها، واستمرت تجربتي فيها قرابة اثنتي عشرة سنة.

كانت تلك المرحلة مليئة بالتحديات والإنجازات، وشهدت تطويرًا في العمل المدرسي، وأسهمنا خلالها في تخريج أجيال من الطلاب والطالبات الذين واصلوا مسيرتهم وقدموا خدماتهم للوطن في مجالات متعددة.

ثم انتقلت إلى مدارس ابن خلدون خلال الفترة 2021–2022، وعملت في مجال التطوير، وكانت من أبرز التجارب التي شاركت فيها تنظيم واستثمار الفترة المسائية في المدارس، ومن ذلك تأجير مرافق المدارس لأكاديمية نادي الهلال، بما أسهم في تحقيق عائد اقتصادي واستثمار المنشآت التعليمية بصورة أفضل.

كما شاركت في الإشراف على بطولات رياضية عربية استضافتها المملكة لمختلف الفئات السنية للبنين والبنات، وكانت من التجارب التي أعتز بها لما حملته من تنظيم وتنوع وحضور رياضي مميز.

المعرفة التي تتحول إلى أثر

لم تكن تجربتي العملية والأكاديمية بعيدة عن التأليف والتوثيق، فقد حرصت على تحويل جانب من الخبرات التي اكتسبتها إلى مواد يستفيد منها الآخرون.

فأصدرت عددًا من الكتيبات والمواد التعليمية، من بينها وحدة تعليمية عن مهارات التنس الأساسية، ومواد توجيهية لأولياء الأمور في التعامل مع أبنائهم في المجال الرياضي، إلى جانب كتابات وتجارب تتعلق بالتعليم والحياة المهنية.

كما أصدرت كتاب «100 نصيحة بعد الستين»، وهو خلاصة جانب من التجربة والرؤية التي تكونت عبر سنوات طويلة من العمل والتجربة والعلاقات الإنسانية.

مسيرة واحدة.. ومسارات متعددة

حين أنظر اليوم إلى هذه الرحلة، أجد أنها لم تكن مسارات متفرقة كما قد تبدو للوهلة الأولى.

فالرياضة قادتني إلى التعليم، والتعليم قادني إلى الإدارة، والإدارة دفعتني إلى التطوير، والتجربة الأكاديمية جعلتني أكثر قدرة على فهم الميدان، والعمل في التنس منحني خبرة في اكتشاف المواهب وصناعة اللاعب، بينما منحتني مدارس الأبناء فرصة التعامل المباشر مع أجيال من الطلاب ومتابعة نموهم وتطورهم.

تعلمت من الملعب أن النجاح يحتاج إلى الانضباط، ومن المدرسة أن بناء الإنسان أهم من صناعة الإنجاز المؤقت، ومن الإدارة أن النجاح الحقيقي هو الذي يستمر بعد مغادرة المسؤول لموقعه، ومن الحياة أن الإنسان يقاس بما يتركه من أثر في حياة الآخرين.

بدأت من نعام، قرية صغيرة في حجمها، كبيرة في عطائها وأثرها في أبنائها، وخرجت منها إلى ملاعب الرياضة، ثم إلى ميادين التعليم والتربية، فالتحكيم والعمل الفني والإداري، ثم إلى الإدارة والتطوير والتأليف.

وإذا كان لي أن أختصر هذه الرحلة في جملة واحدة، فسأقول:

لم تكن المسيرة بحثًا عن منصب أو لقب، بقدر ما كانت رحلة بحث عن فرصة لخدمة الوطن، وبناء الإنسان، ورد شيء من الجميل للمجالات التي منحتني الكثير.

وما زلت أؤمن أن أجمل ما يمكن أن يتركه الإنسان خلفه ليس عدد المناصب التي شغلها، ولا عدد البطولات التي حققها، وإنما عدد الأشخاص الذين ساهم في تطويرهم، والفرص التي صنعها لغيره، والأثر الطيب الذي بقي بعده.

وتلك، في تقديري، هي القيمة الحقيقية لأي مسيرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى