
بقلم الدكتور عثمان بن عبدالعزيز آل عثمان
العاطفةُ نعمةٌ عظيمةٌ أودعها اللهُ تعالى في قلبِ الإنسان، وجعلها من أعظمِ دوافعِ الخيرِ إذا استقامت، ومن أخطرِ أسبابِ الانحرافِ إذا انفلتت من زمامِ العقلِ والإيمان. فليست السعادةُ في إلغاءِ المشاعرِ، ولا في الاستسلامِ لها، وإنما في تهذيبِها، وتوجيهِها وفقَ هديِ اللهِ تعالى.
إنَّ السعادةَ الحقيقيةَ تكمنُ في التوازنِ العاطفيِّ؛ فلا يطغيك فرحٌ فتنسى المنعِمَ، ولا يكسرُك حزنٌ فتنسى الرحيمَ، ولا يقودُك الغضبُ إلى الظلمِ، ولا يجرفُك الحبُّ إلى المعصيةِ. فالمؤمنُ يملكُ مشاعرَه، ولا تملكُه مشاعرُه، ويجعلُ قلبَه معلَّقًا باللهِ تعالى في جميعِ أحوالِه، فيحيا مطمئنَّ النفسِ، ثابتَ الجنانِ، هادئَ الروحِ، وتلك نعمةٌ لا تُشترى بمالٍ، ولا تُنالُ بمنصبٍ، وإنما هي فضلٌ من اللهِ تعالى يؤتيه من يشاء.
تأملات (221–230)
221. الثقةُ باللهِ تعالى تمنحُك الأملَ عند انسدادِ الأبوابِ؛ فإذا أُغلِقَ بابٌ في وجهِك، فأيقِنْ أنَّ اللهَ تعالى يدَّخرُ لك ما هو أصلحُ وأوسعُ، وأنَّ تأخيرَ العطاءِ قد يكونُ عينَ العطاءِ.
222. الهدوءُ النفسيُّ يُحسِّنُ مهاراتِ إدارةِ الأزماتِ الأسريةِ؛ فبالهدوءِ تذوبُ الخلافاتُ، وبالحكمةِ تُعالَجُ المشكلاتُ، وبالسكينةِ تُبنى البيوتُ على المودَّةِ والرحمةِ.
223. الرضا بقضاءِ اللهِ تعالى يمنحُك القدرةَ على تقبُّلِ تغيُّرِ المكانةِ الاجتماعيةِ؛ فالدنيا ظلٌّ زائلٌ، والكرامةُ الحقيقيةُ في طاعةِ اللهِ تعالى، لا في ألقابِ الناسِ ولا في ثنائِهم.
224. السكينةُ القلبيةُ ثمرةٌ من ثمارِ تركِ التكلُّفِ في الضيافةِ؛ فالبساطةُ راحةٌ، والتكلُّفُ مشقَّةٌ، وخيرُ الأمورِ أوسطُها، وأحبُّ المجالسِ ما سادته الألفةُ وخلا من التكلُّفِ.
225. القربُ من اللهِ تعالى يمنحُك نورَ البصيرةِ؛ فترى الحقَّ حقًّا، والباطلَ باطلًا، ولا تنخدعُ ببريقِ المظاهرِ؛ لأنَّ نورَ الإيمانِ يكشفُ حقائقَ الأمورِ.
226. صفاءُ القلبِ مع اللهِ تعالى يورثُ التوفيقَ في تربيةِ الأجيالِ؛ فالقدوةُ الصالحةُ أبلغُ أثرًا من آلافِ الكلماتِ، وما خرجَ من القلبِ بلغَ القلوبَ.
227. الامتنانُ للهِ تعالى يحفظُ الروحَ من عمى النِّعمِ؛ فالشاكرُ يستشعرُ فضلَ اللهِ تعالى في كلِّ حينٍ، وتتجدَّدُ في قلبِه معاني الرضا والقناعةِ مع كلِّ نعمةٍ.
228. الوعيُ باللهِ تعالى يُطهِّرُ القلبَ من الحقدِ والضغينةِ؛ فالمؤمنُ يحملُ قلبًا سليمًا، يعفو عمَّن ظلمَه، ويصفحُ عمَّن أساءَ إليه، ابتغاءَ مرضاةِ اللهِ تعالى، فيعيشُ سعيدًا مطمئنَّ النفسِ.
229. السعادةُ الحقيقيةُ تكمنُ في الاعتكافِ بالقلبِ؛ أن تكونَ بين الناسِ بجسدِك، بينما يبقى قلبُك معلَّقًا باللهِ تعالى، يأنسُ بذكرِه، ويستمدُّ منه السكينةَ والقوةَ.
230. كلُّ بلاءٍ يقدِّرُه اللهُ تعالى هو تطهيرٌ للقلبِ ورفعةٌ للدرجاتِ؛ فالابتلاءُ يمحو الخطايا، ويُزكِّي النفوسَ، ويُهيِّئُ القلوبَ للقاءِ اللهِ تعالى وهي أكثرُ صفاءً وإقبالًا عليه.
الخاتمة:
إنَّ ذكاءَ العاطفةِ في ميزانِ الإيمانِ ليس مهارةً نفسيةً فحسب، بل هو عبادةٌ قلبيةٌ تُهذِّبُ المشاعرَ، وتُزكِّي النفوسَ، وتُثمرُ حسنَ الظنِّ باللهِ تعالى، والصبرَ عند البلاءِ، والشكرَ عند الرخاءِ، والعفوَ عند المقدرةِ، والرضا في جميعِ الأحوالِ. فكلما ازدادَ القلبُ صلةً بربِّه، ازدادتْ مشاعرُه صفاءً، واستقامتْ انفعالاتُه، وأصبحَ أكثرَ قدرةً على مواجهةِ تقلُّباتِ الحياةِ بثباتٍ وطمأنينةٍ ويقينٍ.
فاجعلْ قلبَك عامرًا بذكرِ اللهِ تعالى، واجعلْ عواطفَك منقادةً لهديِ القرآنِ الكريمِ والسنةِ النبويةِ المطهرةِ، ولا تجعلْها أسيرةً للأهواءِ والانفعالاتِ العابرةِ؛ فإنَّ من أصلحَ سريرتَه أصلحَ اللهُ علانيتَه، ومن زكَّى قلبَه بالإيمانِ رزقَه اللهُ سعادةً لا تزولُ، وسكينةً لا تُكدِّرُها أحداثُ الدنيا، وفوزًا عظيمًا في الآخرةِ.
نسألُ اللهَ تعالى أن يرزقَنا قلوبًا سليمةً، ونفوسًا مطمئنةً، وعواطفَ صادقةً، وأن يجعلَنا من أهلِ الإيمانِ واليقينِ والإحسانِ، وأن يفيضَ علينا من واسعِ فضلِه ورحمتِه، ويختمَ لنا بالحسنى، ويجمعَنا ووالدينا وأهلَنا وأحبتَنا في الفردوسِ الأعلى من الجنةِ، إنه وليُّ ذلك والقادرُ عليه.
وصلى اللهُ وسلمَ وباركَ على نبينا محمدٍ، وعلى آلهِ وصحبِه أجمعين.
نراكم، بإذنِ اللهِ تعالى، في المقالِ القادم، يومَ الإثنين، مع محطةٍ جديدةٍ من سلسلة «حياتك السعيدة». نسألُ اللهَ تعالى أن ينفعَ بها، وأن يجعلَها خالصةً لوجهِه الكريمِ، وأن يكتبَ لها القبولَ والانتفاعَ في الدنيا والآخرةِ.






