مقالات وشعر

في العاشر من ربيع الأول …. غابت أمي وبقيت الحياة تحمل اسمها

بقلم/ د. وسيلة محمود الحلبي

في العاشر من ربيع الأول، توقّف شيء في داخلي لم يعد إلى مكانه حتى اليوم.

حيث رحلت أمي، المربية الفاضلة، الحاجة “لطيفة بنت محمد زكريا العاشق”…

رحلت المرأة التي لم تكن أمي فقط… بل كانت عالمي كله؛ كانت البيت حين يضيق العالم، وكانت الأمان حين أخاف، وكانت الحضن الذي لا أسأل فيه عن شيء سوى أن أكون ابنتها.

منذ رحيلها وأنا أتعلم معنى جديدًا للفقد…فليس كل غياب يُنسى، وليس كل فراق تمضي عليه الأيام. هناك أشخاص إذا غابوا، لا يغيبون وحدهم… بل يأخذون معهم شيئًا من دفء الحياة، وشيئًا من طمأنينة القلب، وشيئًا من أجمل ما فينا.

و”أمي” كانت من أولئك الذين لا يُعوّضون. لم أشاهد في حياتي أمًا تشبهها، ولم أسمع عن امرأة تحمل تلك الخصال مجتمعة كما حملتها هي؛ طيبة لا تعرف حدودًا، وحنانًا لا ينضب، وعطاءً لا ينتظر مقابلًا، ووفاءً لا تهزه الأيام.

كانت “أمي” ولا تزال، في عيني، أعظم أم في الوجود. حين كان صوتها يناديني، كانت الحياة تشرق في عيني. وكان الدم يتدفق في عروقي بطريقة مختلفة، وكأن مجرد سماع صوتها يعيد ترتيب العالم من حولي. كنت أدخل بصوتها إلى عالم آخر…عالم لا خوف فيه، ولا وحشة، ولا قسوة. عالم كله حنان وعطاء وأمان.

أمي كانت مدرسة… وكانت جامعة… وكانت حياة.

تعلمنا من أمي الحبيبة أن الإنسان لا يكبر بما يملك، وإنما بما يمنحه للآخرين. تعلمنا منها أن الكلمة الطيبة صدقة، وأن احترام الكبير والصغير خلق، وأن الوقوف مع المحتاج مسؤولية، وأن العائلة وطن لا يجوز أن تتفرق قلوبه.

كانت تحب العائلة حبًا استثنائيًا، وتفعل المستحيل حتى تبقى متماسكة، متحابة، متقاربة…. وكانت تحمل الوطن في قلبها وعقلها وتفكيرها، وتحبه بالفعل قبل القول……وكان الناس بالنسبة إليها أهلًا، والجيران أهلًا، والمحتاجون أمانة، والفقراء والمحرومون موضع رحمة وحنان……كانت تفرح لفرح الآخرين، وتحزن لحزنهم، وتعطي دون أن تسأل: ماذا سأحصل في المقابل؟

هكذا كانت المربية الفاضلة الحاجة لطيفة العاشق…

أمًا من نوع آخر، …. وزوجة من نوع خاص. وامرأة من طراز لا يتكرر.

واليوم، وأنا أستعيد تفاصيلها، أدرك أن أعظم ما تركته لنا لم يكن مالًا ولا أشياء تُحفظ في الصناديق…

بل تركت لنا قيمًا تسكن في أرواحنا….. تركت فينا حب الأسرة، واحترام الناس، والرحمة بالمحتاج، والوفاء، والكرم، والصبر، والقدرة على العطاء حتى في أصعب الظروف……تركت لنا من نفسها شيئًا في كل واحد منا.

ولعل أجمل ما يمكن أن يفعله الأبناء تجاه أمهاتهم الراحلات، ألا يكتفوا بالبكاء عليهن، بل أن يجعلوا من أخلاقهن حياةً مستمرة بعد رحيلهن.

يا أمي…

يا من تسكنين قلبي ومشاعري

يا أيتها الغائبة الحاضرة

يا من رحل جسدك وبقيت روحك تملأ تفاصيل أيامي…

كم أفتقدك

أفتقد صوتك

وأفتقد دعاءك

وأفتقد سؤالك

وأفتقد ذلك الشعور الذي كان يخبرني أن في هذا العالم إنسانة واحدة على الأقل، يكفي أن تكون موجودة لأشعر أنني بخير.

أفتقدك في أفراحي قبل أحزاني ……وفي لحظات ضعفي قبل لحظات قوتي وفي كل مرة أحتاج فيها إلى أن أعود طفلة صغيرة لا تحمل من الدنيا شيئًا سوى أن تقول:

أمي…

ولكنني، رغم كل هذا الحزن، أشعر بالامتنان….. الامتنان لأن الله أنعم عليّ بأم مثلك……

الامتنان لكل لحظة عشتها بقربك….. الامتنان لكل كلمة قلتِها، ولكل موقف علمتِنا فيه معنى الحياة….. الامتنان لكل يد امتدت بالخير…. ولكل قلب احتضن محتاجًا، ولكل روح زرعتِ فيها الرحمة.

وأشعر بالامتنان أيضًا لأنك لم ترحلي قبل أن تتركي لنا ما يكفينا من الحب كي نعيش بقية العمر ونحن نحمل أثرك.

لقد علمتنا “أمي” الكثير… وربما لم تكن تعلم أن أجمل ما تعلمناه منها هو كيف نكون بشرًا….. تعلمنا منها أن الحنان قوة، وأن الطيبة ليست ضعفًا، وأن العطاء لا يُنقص الإنسان، وأن الأسرة إذا اجتمعت على المحبة أصبحت وطنًا.

واليوم، في ذكرى رحيلها، لا أريد أن أقول فقط: رحمك الله يا أمي.

أريد أن أقول:

شكرًا يا أمي الحبيبة 

شكرًا لأنك كنتِ أمي

شكرًا لأنك كنتِ لي ولأخوتي وطنًا

شكرًا لكل حب منحتِنا إياه

شكرًا لكل درس تعلمناه منك

شكرًا لكل إنسان أحببته وعلّمتِنا أن نحبه

شكرًا لكل قلب جبرته يداك

شكرًا لأنك تركتِ لنا من سيرتك ما يجعل اسمك حيًا فينا مهما طال الغياب.

اختارك الله لتكوني في ضيافته…فهنيئًا لكِ بهذه الضيافة…..

أسأل الله الذي اختارك من بيننا أن يختار لكِ أوسع رحمته، وأن يجعل قبرك روضة من رياض الجنة، وأن يجعل كل خير زرعتِه في حياتك نورًا لكِ في آخرتك، وأن يجمعنا بكِ في دار لا فراق فيها ولا وجع ولا دموع.

أما أنا…فسأظل أناديكِ في قلبي كما كنت أناديكِ في حياتك:

أمي…

وربما لن يصل صوتي إليكِ كما كان يصل إليكِ صوتي في الدنيا، لكنني مؤمنة أن الحب لا يموت، وأن الدعاء يصل، وأن الأرواح التي أحببناها بصدق لا تغادرنا ابدا.

أمي لطيفة…

غبتِ عن عيني

لكنّك لم تغيبي عن قلبي

غاب صوتك، وبقي صداه

غاب حضنك، وبقي دفؤه

غاب حضورك وبقيت سيرتك

وغاب جسدك عن الدنيا

لكن أجمل ما فيكِ ما زال يعيش فينا.

أحبك أمي…

أحبك كما أحببتِنا، بلا حدود، وبلا شروط، وبلا نهاية

وإذا كان لي أن أختصر كل سنوات العمر التي عشتها معكِ في كلمة واحدة، فلن أجد أصدق من:

شكرًا… لأنك كنتِ أمي

رحمك الله يا لطيفة بنت محمد زكريا العاشق

يا أعظم أم عرفها قلبي.. وأعظم أم سكنت فيه وبروحي ومشاعري 

ويا أجمل امرأة تركت في روحي أثرًا لا يمحوه الغياب.

العاشر من ربيع الأول… ليس يوم رحيلك فقط

 بل يوم بدأتُ أتعلم كيف أعيش وفي “قلبي أمٌّ لا تموت”

رحمك الله يا أمي، وأسكنك الفردوس الأعلى، وجمعني بكِ حيث لا فراق.

اللهم آمين.

ابنتك….. وسيلة الحلبي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى