
بقلم: بسام العريان
«ما سيحدث سيحدث».. عبارة بسيطة في حروفها، عميقة في معناها، وليست مجرد تسليم للقدر أو انسحاب من ميدان السعي، بل هي فلسفة حياة تمنح الإنسان قدرة على ترتيب أفكاره، وتهدئة روحه، والتحرر من وطأة القلق والترقب.
كثيرًا ما نستنزف أوقاتنا وطاقاتنا الذهنية والجسدية في القلق بشأن المستقبل: ماذا لو حدث كذا؟ وماذا لو فشلت هذه الخطوة؟ وماذا لو جاءت النتائج على غير ما نتمنى؟ وفي خضم هذه الهواجس، ننسى أن السعي هو المساحة التي نملكها ونستطيع التحكم فيها، أما النتائج فتبقى في دائرة القدر والتدبير الإلهي.
وعندما نستوعب حقيقة أن «ما سيحدث سيحدث»، نتوقف عن استنزاف أنفسنا في صراعات مع احتمالات لم تقع بعد، ونبدأ في توجيه طاقتنا نحو اللحظة الحاضرة؛ فالسعي مسؤوليتنا، والعمل واجبنا، والتفاؤل بالخير نهج العقول الواعية، بينما الطمأنينة الحقيقية تنبع من اليقين بأن ما كُتب لنا سيصل إلينا، مهما تعقدت الطرق، وما لم يُكتب لنا فلن يكون لنا، مهما بذلنا من جهد أو اتخذنا من أسباب.
وهذا اليقين لا يعني الاستسلام السلبي أو التقاعس عن العمل، بل يعني أن نعمل بشغف وإخلاص، ونبذل ما نستطيع من أسباب، ثم نترك النتائج لله بثقة ورضا.
فالتسليم للقدر يمنح الإنسان مرونة نفسية ثمينة؛ إذ يجعله يرى في الفشل تجربة يتعلم منها، وفي التأخير فرصة لفهم أعمق، وفي الظروف القاسية طريقًا نحو النضج والقوة. وقد لا ندرك الحكمة من بعض الأحداث في وقتها، لكن الأيام تكشف لنا أحيانًا أن ما ظنناه تأخيرًا كان حماية، وما حسبناه خسارة كان بداية لخير أكبر.
«ما سيحدث سيحدث» لا تعني أن نتوقف عن صناعة مستقبلنا، بل أن نصنعه بما نستطيع من عمل وأمل، دون أن نرهق أنفسنا بمحاولة السيطرة على ما يتجاوز قدرتنا.
افعل ما بوسعك اليوم، وأحسن السعي، وأخلص النية، ثم اطمئن إلى أن القادم بيد الله. فحين يدرك الإنسان أن عليه أن يسعى، لا أن يضمن النتائج، يبدأ القلق في التراجع، ويحل مكانه الرضا والسكينة.
وربما يكون الإيمان بأن «ما سيحدث سيحدث» إحدى أهم الخطوات نحو راحة البال والسلام الداخلي؛ أن تعمل دون خوف، وتأمل دون قلق، وتترك للقدر مساحته، وأنت على يقين بأن تدبير الله، وإن خفيت حكمته أحيانًا، يحمل في طياته من اللطف والخير ما يفوق توقعاتنا.






