
بقلم: رنا الضبعه
يُؤكد مهرجان جرش للثقافة والفنون سنوياً أن الشعوب التي احتفت بتاريخها وصانت تراثها هي وحدها القادرة على صناعة مستقبلٍ أصيل ومشرق. فهو ليس مجرد حدثٍ فني عابر، بل تظاهرةٌ ثقافية وتراثية عابرة للأجيال، تُشكل جسراً متيناً يربط بين عراقة التاريخ الروماني وأصالة الثقافة العربية المعاصرة.
فعلى مدرجات جرش الأثرية الشامخة، تنبعث الحياة من جديد لتسرد حكاية وطنٍ يُصمم على الفرح والإبداع. وفي قلب منطقة تُعاني من التجاذبات والاضطرابات، يقف الأردن شامخاً كواحة من الأمن والاستقرار؛ هذا الأمان الذي لم يكن يوماً مجرد شعار، بل واقعاً يلمسه زائر المهرجان منذ لحظة وصوله. فبريق أضواء المسارح وأصوات الموسيقى التي تعلو في الفضاء الجرشي هي الثمرة الطبيعية لجهودٍ أمنية ومؤسسية واعية، تُوفر البيئة الآمنة والاطمئنان الكامل لكل العائلات والأسر والضيوف العرب والأجانب الذين يتوافدون بأمان وحرية ليعيشوا تجربة استثنائية فريدة.
تتسع السردية الأردنية التي يرويها المهرجان بكافة أطيافها؛ من أعماق البادية المعطاءة إلى القرى الأردنية الوادعة والمدن الحاضرة. إنه تجسيدٌ حي للإرث الثقافي الذي يعكس الهوية الوطنية بتنوعها الثقافي والاجتماعي الغني، مبرزاً ذلك التناغم الفريد بين نمط حياة الفلاح المتمسك بأرضه، والبدوي الأصيل المعتز بقيمه. وخلال أيام المهرجان، تتحول الأزقة الأثرية والمسارح العريقة إلى لوحة حية تجمع بين الفنون الأدائية والحرف اليدوية؛ من أهازيج الدبكة وعزف الربابة الشجي، إلى الشعر النبطي الذي يُحيي قيم الكرم والشهامة والنخوة التي تربى عليها الأردنيون.
ولأن المهرجان نافذةٌ تمتد إلى روح المجتمع، فإنه يُبرز خيرات الأرض وسواعد أبنائها؛ من منتجات زراعية وصناعات تقليدية كصناعة البسط، الخزف، تشكيل الرمل داخل الزجاج، والتطريز الأردني الدقيق الذي تحكي كل غرزة فيه قصص الجدات وحكمتهن.
كما لا يكتفي مهرجان جرش بالقوقعة حول التراث المحلي، بل يدمجه بذكاء بالفنون العالمية والثقافات المتنوعة، ليكون منصة حقيقية للحوار بين الحضارات، ورسالة أردنية للعالم أجمع تُنادي بالتسامح، الانفتاح، والاعتزاز بالهوية الوطنية تحت مظلة من الأمان والعيش المشترك.
سيظل مهرجان جرش خافقاً في قلب الأردن، شمعة تُضيء بعزم الأردنيين ووعيهم، وشهادة حية على أن هذا الوطن، بفضل أمنه واستقراره ورؤيته الحكيمة، قادرٌ دائماً على أن يكون ملتقى للفن والتاريخ والسلام






