مقالات وشعر

الحج قديماً… رحلة إيمان بين المشقة والصبر

بقلم/ إبراهيم النعمي

حينما نقرأ عن الحج قديماً، فإننا لا نقرأ مجرد رحلة سفر إلى بيت الله الحرام، بل نعيش صفحاتٍ من الصبر والإيمان والتضحية، سطرها الآباء والأجداد بقلوبٍ مفعمة بالشوق إلى مكة المكرمة، رغم قسوة الطريق وطول المسافات وقلة الحيلة. كانت رحلة الحج آنذاك مغامرةً محفوفة بالمخاطر، يودّع فيها الأهل أبناءهم بالدموع والدعوات، في زمنٍ كان الوصول فيه إلى المشاعر المقدسة حلماً يحتاج إلى عزيمةٍ لا تلين وإيمانٍ لا يتزعزع.

تجسد رحلة الحج قديماً ملحمةً إيمانيةً عظيمة، سطّر فيها الآباء والأجداد أروع صور الصبر والتضحية والتوكل على الله، رغم قسوة الطريق وشظف العيش وبساطة الإمكانيات.

كان الحاج قديماً يستعد لموسم الحج قبل أشهر طويلة، فيضاعف جهده في الزراعة ورعي الماشية والعمل الشاق؛ ليؤمّن ثمن “الراحلة” من الإبل أو ما يحتاجه من زاد ونفقة تعينه على تلك الرحلة المباركة. وكانت رحلة الحج آنذاك ليست مجرد سفر، بل اختباراً حقيقياً للإيمان والتحمل.

ونظراً لطول المسافات وانعدام وسائل النقل الحديثة، كان الأهالي يودعون حجاجهم بقلوب يملؤها القلق والرجاء، حتى شاع بينهم القول: “الذاهب مفقود والعائد مولود”، لما كانت الرحلة تحمله من أخطار ومشاق.

وكانت القوافل تسير لأيام طويلة وربما لأشهر، تجتاز الصحارى الوعرة، وتواجه حرارة الصيف وبرد الشتاء، وتعاني من قلة الماء والطعام، ومع ذلك ظل الحجاج متمسكين بالأمل، مستشعرين عظمة المقصد وقدسية الرحلة إلى بيت الله الحرام.

وعلى الرغم من قسوة الحياة وشح الموارد، اتسم المجتمع قديماً بحسن الجوار والتكاتف والتعاون، فكان الناس يتسابقون لخدمة الحجاج ومساعدتهم، ابتغاء الأجر والثواب، مما يعكس عمق الروابط الاجتماعية وصفاء النفوس في ذلك الزمن الجميل.

وحقيقةً، كانت الحياة قديماً شديدة الصعوبة مقارنةً بما نعيشه اليوم من نهضةٍ وتطورٍ وازدهار في مختلف مناحي الحياة، بفضل الله سبحانه وتعالى، ثم بفضل ما توليه حكومتنا المباركة من اهتمام كبير بخدمة الوطن والمواطن، وتطوير الخدمات، وتيسير سبل الراحة لضيوف الرحمن، حتى أصبح الحج اليوم أكثر أمناً ويسراً وتنظيماً.

وهكذا يبقى الحج قديماً شاهداً على قوة الإيمان وعظمة الصبر الذي تحلّى به الآباء والأجداد، الذين تحملوا المشاق وواجهوا المخاطر شوقاً إلى بيت الله الحرام وابتغاءً لرضوان الله. وإذا كانت تلك الرحلات الشاقة قد كُتبت بعرق التعب ودموع الوداع، فإن حاضرنا اليوم يُجسد نعمة الأمن والراحة وتطور الخدمات التي سخّرتها دولتنا المباركة لخدمة ضيوف الرحمن. فالحمد لله على ما نعيشه من خيرٍ واستقرار، وحفظ الله وطننا وقيادتنا الرشيدة، وأدام على بلادنا نعمة خدمة الحرمين الشريفين وقاصديهما من كل أنحاء العالم.

حفظ الله وطننا الغالي، وأدام علينا نعمة الأمن والاستقرار، وحفظ الله قيادتنا الرشيدة التي سخّرت كل الإمكانات لخدمة الإسلام والمسلمين، ورعاية الحجاج والمعتمرين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى