
أ. عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْمُزَيْنِي _ كَاتِبٌ سَعُودِيٌّ
دأبت أغلب التطبيقات الذكية على إرسال تنبيهات بين الفينة والأخرى تسترجع لنا مقاطع مصورة أو منشورات كتبناها قبل سنة أو سنوات، تحت مسمى “ذكريات”. ولا أدري على وجه اليقين ما الغاية من هذا الاسترجاع القسري للماضي.
هل تريد هذه التطبيقات أن تذكرنا بأيام نود لو عادت ببهجتها ولقائها؟ أم بأيام نتمنى لو طويت صفحتها ولم تعد؟ فالحلو منها والمر كلاهما صار ماضياً تولى، لا يعود بضغطة زر، ولا يُصلح بالتحسر والندم عليه.
وأقولها بصراحة: المشكلة ليست في الذكرى ذاتها، فالماضي نعم المعلم إذا أحسنا الاستفادة من دروسه. لكن الإشكال الذي أراه يكمن في أن هذه التنبيهات تسرق من أوقاتنا الثمينة دقائق، ثم ساعات، ونحن نظن أننا نتصفح “فقط”. فنجد أنفسنا نقلب في صفحات انقضت، نضحك ونبتسم على موقف، ونحزن على فراق، ونأسى على خطأ، وننسى أن الماضي لا يُعاد،
مهما حاولنا، وأن الدرس منه يؤخذ مرة ثم يجب أن نمضي إلى حاضرنا نصنع فيه ما يستحق الذكر بعد عام.
وأما الإشعارات فهي حكاية أخرى لا تنتهي فصولها، وهي في نظري أخطر سارق للتركيز في عصرنا. رنين متقطع، ونقطة حمراء ملحة، و”فلان علّق” و”فلان شاهد” و”فلان كتب”.
تحولت هواتفنا من أدوات خدمة إلى ضغط نفسي، وكأنه إجبار وأمر لابد منه،يتحكمون في لحظاتنا. والأدهى من ذلك أن في متابعة هذه الإشعارات نميمة وغيبة ضمنية إن صح التعبير، لا نشعر بها، إذ نتتبع تحركات الآخرين ونرصد ما قالوا وما كتبوا وما شهدوا تحت مسمى الاطلاع. لكن أي فائدة مرجوة من معرفة تفاصيل لحظة لا تعنينا؟ لا شيء في تقديري إلا إضاعة الوقت بما لا طائل وراءه من الترهات، وتبديد التركيز في ما لا يبني ولا ينفع.
ومن هنا، فإن استعادة زمام الوقت – من وجهة نظري – تبدأ بأن نعامل الذكريات معاملة العبرة والعضة، ودروس مستفادة، فنأخذ منها الدرس ونصنع في حاضرنا ذكرى تستحق أن يتذكرنا بها الناس بعد حين.
كما يجب أن نروض الإشعارات لا أن تروضنا، فنعطل ما لا ضرورة له، ونجعل هاتفنا خادماً لنا لا سيداً علينا، فالتنبيه المهم سيجد طريقه إلينا، وغير المهم يمكن الاستغناء عنه بلا خسارة. ولا ننسى القاعدة الذهبية التي آمنت بها: الماضي للعبرة، والحاضر للعمل، والمستقبل للأمل. ومن خلط بينها، ضاع عمره هباء.
وفي الختام، الوقت هو عمر الإنسان، وكل تنبيه نفتحه بلا هدف واضح هو جزء من عمرنا يضيع بلا عوض. فلنسأل أنفسنا بصدق قبل كل نقرة: هل هذا يقربني من غايتي؟ أم يبعدني عنها؟ فالاختيار بيدنا، إما أن نعيش لحظتنا ونملأها بما ينفع، أو نضيعها في تتبع لحظات غيرنا.
فماذا ستختار أنت؟





