مقالات وشعر

منبر… أم مدرج؟

 

الدكتور :رشيد بن عبدالعزيز الحمد

– لا تخسر الرياضة حين يُهزم فريق، أو يخطئ حكم، أو يتعثر اتحاد في قرار.

إنها تخسر حقًا عندما يفقد الإعلام رسالته.

فالإعلام الرياضي ليس مجرد ناقلٍ للأحداث أو معلقٍ على النتائج، بل شريك في صناعة الوعي، وترسيخ الثقافة الرياضية، وحماية العدالة، وكشف الخلل بمهنية ومسؤولية. ولهذا، فإن الدول التي صنعت رياضتها لم تبدأ من الملاعب وحدها، بل من إعلام أدرك أن الكلمة أمانة، وأن الحقيقة لا تتبدل بتبدل ألوان القمصان.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم:

هل ما نراه إعلام رياضي… أم تشجيع يرتدي ثوب الإعلام؟

ليس عيبًا أن يكون للإعلامي انتماء، فالانتماء شعور إنساني طبيعي، لكن العيب أن يصبح هذا الانتماء هو من يكتب الخبر، ويحلل المباراة، ويصدر الأحكام.

عندها لا يعود الإعلام إعلامًا…

بل يصبح مدرجًا يملك كاميرا.

المشكلة ليست في وجود مشجعين متعصبين، فالتعصب موجود في كل مكان، وإنما في أن يُقدَّم المشجع المتعصب بوصفه إعلاميًا أو ناقدًا، فيخلط بين الرأي والمعلومة، وبين التحليل والتأثير، فتتحول الإثارة إلى هدف، والضجيج إلى وسيلة، والجدل إلى صناعة.

وللأسف، أصبحت بعض المنصات تبحث عن أكثر الأصوات صخبًا لا أكثرها علمًا، لأن الصراخ يجلب المشاهدات، بينما يدفع الوعي الثمن.

وكم من حكم أُدين قبل أن تتضح الحقيقة، وكم من لاعب أو مسؤول حوكم إعلاميًا دون دليل، وكم من جماهير دُفعت نحو التعصب وهي تظن أنها تمارس التشجيع.

هذه ليست آثارًا جانبية، بل نتائج مباشرة لإعلام تخلى عن رسالته.

ولا يعني ذلك غياب الإعلاميين المهنيين، فالساحة تزخر بأسماء مشهود لها بالمصداقية والاتزان، لكن صوت المهنية كثيرًا ما يضيع وسط ضجيج الإثارة.

واليوم، تعيش الرياضة السعودية أكبر مشروع تحول في تاريخها، بطموحات عالمية واستثمارات واستضافات نوعية، وهذا المشروع يحتاج إلى إعلام يرتقي بمستواه، لا إلى إعلام يعطله أو يعيد إنتاج التعصب.

نحتاج إلى إعلامي يحترم عقل المتلقي، ويؤمن بأن بناء الوعي أهم من صناعة “الترند”، وأن نجاح الرياضة لا يقاس بحجم الجدل، بل بترسيخ الثقة والمهنية.

فالرياضة لا تُبنى بالضجيج، ولا تزدهر بالميول، بل بالحقيقة.

ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل من يعمل في الوسط الرياضي على نفسه:

هل أقف على منبر الإعلام… أم أجلس في مدرج التشجيع؟

لأن الفرق بينهما ليس مقعدًا…

بل رسالة.

وحين يتحول المنبر إلى مدرج، لا يخسر فريقٌ مباراة… بل تخسر الرياضة مستقبلها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى