مقالات وشعر

اليابان… حين انتصرت الخطة على الموهبة

 

الدكتور :رشيد بن عبدالعزيز الحمد

– في كرة القدم، قد تحسم الموهبة مباراة… لكن التخطيط هو من يصنع تاريخًا.

ولهذا لم تكن نهضة اليابان الكروية وليدة الصدفة، ولم تأتِ نتيجة جيل استثنائي أو قرار عابر، بل كانت ثمرة مشروع وطني آمن بأن الإنجازات الكبرى لا تُبنى في المدرجات، وإنما تبدأ من المدرسة، والحي، والأكاديمية، ومن كل منظومة تصنع اللاعب قبل أن تصنع الفريق.

قبل عقود، لم تكن اليابان ضمن القوى الكروية المؤثرة، لكنها امتلكت ما هو أهم من الأسماء اللامعة؛ امتلكت رؤية واضحة. أدركت أن المنافسة العالمية لا تبدأ مع المنتخب الأول، بل من الاستثمار في الإنسان، وإعداد المدرب، وتأهيل الكشاف، وتطوير الأكاديميات، وبناء دوري احترافي يضمن استدامة التطور.

لم يكن هدف اليابانيين الفوز ببطولة عابرة، بل تأسيس ثقافة كروية متكاملة. فاستثمروا في الفئات السنية، وربطوا الأندية بالمجتمع، ومنحوا المدرب الوطني فرصته، وشجعوا احتراف لاعبيهم في أقوى الدوريات العالمية، حتى أصبح وجود اللاعب الياباني في الملاعب الأوروبية أمرًا مألوفًا، وأصبح التأهل إلى كأس العالم خطوة طبيعية في مسيرة مشروع طويل، لا إنجازًا استثنائيًا يحتفى به كل مرة.

أما المملكة العربية السعودية، فهي تعيش اليوم مرحلة استثنائية بكل المقاييس. فالدعم غير مسبوق، والبنية التحتية تتطور بوتيرة متسارعة، والاستثمارات الرياضية تضاهي كبرى الدول، والطموحات التي تقودها رؤية المملكة 2030 جعلت الرياضة أحد أهم محركات التنمية الوطنية.

لكن النجاح الحقيقي لا يكتمل إلا بسؤال جوهري: هل نبني الإنسان الرياضي بالقدر نفسه الذي نبني فيه المنشآت الرياضية؟

إن استقطاب نجوم العالم يمثل قيمة فنية وتسويقية كبيرة، لكنه لا يغني عن صناعة النجم السعودي. فالإنجاز المستدام لا يُقاس بعدد الصفقات، بل بعدد اللاعبين الذين نصنعهم، والمدربين الذين نؤهلهم، والمواهب التي نكتشفها قبل أن تضيع.

لقد أثبتت التجربة اليابانية أن الكشاف هو أول صانع للنجوم، وأن أكاديمية صغيرة في مدينة بعيدة قد تكون بداية لاعب يحمل راية وطنه في أكبر المحافل الدولية. ومن هنا تبرز أهمية إعادة تفعيل منظومة اكتشاف المواهب في جميع مناطق المملكة، وتعزيز الشراكة بين المدارس والأندية، والارتقاء بمسابقات الفئات السنية، باعتبارها استثمارًا استراتيجيًا لا يقل أهمية عن أي مشروع رياضي آخر.

المملكة لا ينقصها المال، ولا الطموح، ولا الجماهير، ولا الإرادة. وما نحتاجه هو أن تتحول صناعة اللاعب إلى مشروع وطني مستدام، لا يتأثر بتغير الإدارات أو نتائج المباريات، بل يقوم على أهداف واضحة، ومؤشرات أداء تقيس جودة المخرجات، وتراكم الإنجاز عامًا بعد عام.

لقد انتصرت اليابان لأنها احترمت الزمن، وآمنت بأن بناء الأجيال أهم من الاحتفاء بالنجاحات المؤقتة.

واليوم، تمتلك المملكة كل المقومات تكتب تجربتها الخاصة، لا لتكرر تجربة اليابان، بل لتتجاوزها، إذا أصبح بناء اللاعب السعودي مشروعًا يبدأ من المدرسة، ويمر بالأكاديمية والكشاف والمدرب، وينتهي بمنتخب ينافس العالم باستمرار.

فالكرة الحديثة لا تصنعها الأموال وحدها… بل تصنعها الأفكار التي تعرف كيف تحوّل الإمكانات إلى أجيال، والطموحات إلى إنجازات، والإنجازات إلى ثقافة لا تتوقف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى