
استطلاع: د. وسيلة محمود الحلبي
في الوقت الذي تمضي فيه المملكة العربية السعودية بخطى واثقة نحو بناء الإنسان، وتعزيز جودة الحياة، وترسيخ مبادئ العدالة وتكافؤ الفرص، يبرز ملف الأيتام ذوي الظروف الخاصة بوصفه أحد الملفات الإنسانية والتنموية التي تستحق مزيدًا من الدراسة والاهتمام.
ولأن التعليم الجامعي يمثل البوابة الحقيقية نحو الاستقلال الاقتصادي والاندماج المجتمعي وصناعة المستقبل، يطرح هذا الاستطلاع سؤالًا وطنيًا مهمًا:
هل حان الوقت لتخصيص مقاعد جامعية مجانية للأيتام ذوي الظروف الخاصة في الجامعات الحكومية والأهلية، بما يضمن لهم فرصة عادلة لاستكمال تعليمهم، وتمكينهم من الإسهام في تنمية وطنهم؟
كما يطرح تساؤلًا آخر لا يقل أهمية:
إلى أي مدى يمكن أن تسهم هذه المبادرة في الحد من مشاعر الوصمة أو الإحساس بالدونية لدى بعض الأيتام ذوي الظروف الخاصة، وتعزيز ثقتهم بأنفسهم، وتحويلهم من متلقين للدعم إلى طاقات وطنية منتجة وشركاء فاعلين في التنمية؟
وقد شارك في هذا الاستطلاع عدد من المختصين والأكاديميين، فجاءت آراؤهم مؤكدة أهمية الاستثمار في الإنسان، مع الدعوة إلى وضع ضوابط ومعايير تضمن العدالة والاستدامة.
الدكتورة وفاء بنت حمد الصالح عضو مجلس الإدارة بجمعية كيان للأيتام ذوي الظروف الخاصة:
أكدت أن التعليم حق أصيل تكفله الدولة -حفظها الله-، وأن القرارات التعليمية تُبنى على دراسات علمية تراعي جودة التنفيذ واستدامته.
وأوضحت أن الاستثمار في تعليم الأيتام ذوي الظروف الخاصة يعد من أهم صور الاستثمار الاجتماعي، لما يحققه من آثار اقتصادية واجتماعية ونفسية إيجابية، مشيرة إلى أن الجامعات الحكومية توفر القبول المجاني لجميع الطلاب وفق أنظمة القبول المعتمدة.
وأضافت أن المرحلة المقبلة تستدعي دراسة توفير منح دراسية مجانية في الجامعات الأهلية بالشراكة مع القطاع الخاص، بحيث ترتبط هذه المنح باحتياجات سوق العمل، إلى جانب دعم البرامج المهنية والتأهيلية التي تعزز فرص التوظيف والاستقرار الوظيفي.
كما أشارت إلى أن جمعية كيان جعلت تمكين المستفيدين تعليميًا أحد أهدافها الاستراتيجية، من خلال مشروع “علم” ومشروع التأهيل والتدريب اللذين يهدفان إلى بناء الإنسان، وتعزيز روح المواطنة، وتحقيق الاندماج المجتمعي.
من جانبه، أكد الدكتور تركي العيار أستاذ الإعلام بجامعة الملك سعود:

تأييده لتخصيص مقاعد جامعية مضمونة للأيتام ذوي الظروف الخاصة، شريطة استيفائهم شروط القبول الجامعي، بما يحافظ على مبدأ العدالة ويحفزهم على الاجتهاد والتميز.
وأوضح أن هذه المبادرة ستسهم في:
إتاحة الفرصة لاستكمال التعليم الجامعي. واكتشاف المواهب والقدرات وتنميتها.
وإعداد كوادر قادرة على خدمة المجتمع في مختلف المجالات. وتعزيز شعورهم بالمساواة والانتماء.
وأضاف أن تطبيق هذه المبادرة وفق ضوابط واضحة سيعزز إحساسهم بالعدالة، ويغرس لديهم قيمة الاجتهاد والتميز، دون الإخلال بالمعايير الأكاديمية.
أما الدكتور أحمد عبد الغني عابد الثقفي، أخصائي العلاقات الإعلامية الدولية بوزارة الإعلام في جدة:
أشاد بطرح القضية، مؤكدًا أنها تمثل موضوعًا إنسانيًا ووطنيًا يستحق الدراسة.
وأشار إلى تأييده لتخصيص مقاعد جامعية للأيتام ذوي الظروف الخاصة وفق معايير واضحة تحقق العدالة والاستحقاق، وتنسجم مع الأنظمة التعليمية في المملكة، مؤكدًا أن الاستثمار في التعليم يعد من أهم وسائل تمكين الإنسان وبناء المستقبل.
وبيّن أن من أبرز مبررات هذه المبادرة:
تمكين الأيتام من استكمال تعليمهم العالي. وتعزيز العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص. واستثمار الطاقات الوطنية الشابة. ودعم مستهدفات رؤية المملكة 2030 في تنمية رأس المال البشري.
وأضاف أن هذه المبادرات، إلى جانب برامج الدعم النفسي والاجتماعي والإرشاد الأكاديمي، يمكن أن تعزز الثقة بالنفس، وتحد من الآثار السلبية للوصمة الاجتماعية أو الشعور بالعزلة، بما يحول المستفيدين إلى عناصر منتجة تسهم في خدمة الوطن.
ختامًا…
تكشف الآراء المشاركة في هذا الاستطلاع عن اتفاق واضح على أن تمكين الأيتام ذوي الظروف الخاصة تعليميًا ليس مجرد دعم لفئة اجتماعية، بل هو استثمار وطني طويل الأمد في الإنسان، وإسهام في بناء مجتمع أكثر تماسكًا وعدالة وإنتاجًا.
ويبقى السؤال مفتوحًا أمام المختصين وصناع القرار والجامعات والقطاع الخاص: هل آن الأوان لإطلاق مبادرة وطنية متكاملة تضمن لهذه الفئة فرصًا جامعية أوسع، وتفتح أمامها أبواب المستقبل، لتكون شريكًا حقيقيًا في مسيرة التنمية التي تشهدها المملكة؟
إن الأوطان العظيمة تُقاس بقدرتها على اكتشاف الطاقات الكامنة في أبنائها، ومنحهم الفرصة ليصنعوا مستقبلهم بأنفسهم. والأيتام ذوو الظروف الخاصة ليسوا بحاجة إلى الشفقة، بل إلى الفرصة… فإذا مُنحت لهم، أثبتوا أن العطاء لا تحده الظروف، وأن الإنسان هو أعظم استثمار للوطن.






