
الدكتور : رشيد بن عبدالعزيز الحمد
– تشهد الرياضة السعودية مرحلة استثنائية من التطور، مدعومة برؤية المملكة 2030 التي جعلت الاستثمار في الإنسان وصناعة الأبطال أحد أهم مستهدفاتها. وفي ظل هذا الحراك، برزت الأكاديميات الرياضية بوصفها ركيزة أساسية لاكتشاف المواهب وصقلها، وفي مقدمتها أكاديمية مهد التابعة لوزارة الرياضة، التي تمثل مشروعًا وطنيًا طموحًا يسعى إلى بناء جيل جديد من الرياضيين وفق أسس علمية حديثة.
ولا شك أن ما تحقق حتى اليوم يدعو إلى التفاؤل، لكن الطموح الذي تعيشه الرياضة السعودية يدفعنا إلى طرح سؤال مشروع: هل أصبحت الأكاديميات بالفعل مصانع لإنتاج الأبطال، أم أنها لا تزال في كثير من الأحيان تركز على الممارسة أكثر من صناعة اللاعب؟
إن نجاح أي أكاديمية لا يقاس بعدد المشتركين فيها أو بعدد فروعها، وإنما يقاس بما تقدمه من مخرجات. فالأكاديمية الناجحة هي التي تكتشف الموهبة، وتنميها، ثم تقدمها للأندية والمنتخبات الوطنية لاعبًا يمتلك المهارة، والانضباط، والثقافة الرياضية، والقدرة على المنافسة في أعلى المستويات.
ولذلك فإن المرحلة المقبلة تستدعي التركيز على جودة البرامج التدريبية، وتطوير أساليب اكتشاف المواهب، ووضع خطط علمية طويلة المدى تراعي الفروق الفردية بين اللاعبين، فلكل موهبة احتياجاتها، ولكل لاعب مسار مختلف في النمو والتطور.
كما أن المدرب يظل العنصر الأكثر تأثيرًا في نجاح الأكاديمية. فكم من موهبة تراجعت بسبب ضعف التأهيل، وكم من لاعب مغمور أصبح نجمًا بفضل مدرب امتلك المعرفة والخبرة والقدرة على بناء الشخصية الرياضية قبل المهارة الفنية. ولهذا فإن اختيار المدربين يجب أن يقوم على الكفاءة المثبتة في تكوين اللاعبين الصغار، لا على الأسماء أو الشهادات وحدها.
ومن الأهمية بمكان أن تعمل الأكاديميات ضمن منظومة وطنية متكاملة تضم وزارة الرياضة، ووزارة التعليم، والأندية، والاتحادات الرياضية، بحيث يكون هناك مسار واضح يبدأ باكتشاف الموهبة في المدرسة، ثم تطويرها في الأكاديمية، ثم انتقالها إلى النادي، وصولًا إلى تمثيل المنتخبات الوطنية. فكلما تكاملت هذه المنظومة، ازدادت فرص نجاحها، وقلّ هدر المواهب.
ولعل أكاديمية مهد، بما تحظى به من دعم وإمكانات، مؤهلة لأن تقود هذا التحول، ليس فقط من خلال اكتشاف المواهب، بل أيضًا عبر وضع معايير وطنية موحدة لعمل الأكاديميات، وتأهيل المدربين، وقياس جودة المخرجات، ونشر أفضل الممارسات، بما يرفع مستوى العمل في جميع الأكاديميات الرياضية بالمملكة.
وأرى أن الوقت قد حان لأن تعتمد الأكاديميات مؤشرات أداء واضحة لقياس نجاحها، مثل عدد اللاعبين الذين انتقلوا إلى الأندية، وعدد من انضموا إلى المنتخبات الوطنية، ونسبة استمرار اللاعبين في ممارسة الرياضة، ومستوى تطورهم المهاري والبدني، لأن الإدارة الحديثة لا تقيس الجهود، بل تقيس النتائج.
إن مستقبل الرياضة السعودية لن يصنعه الإنفاق وحده، ولا كثرة المنشآت، وإنما يصنعه الاستثمار الحقيقي في الإنسان. والأكاديميات هي نقطة البداية في هذا الاستثمار، فإذا أحسنّا بناءها، وأحسنّا إدارتها، وأحسنّا تقويمها، فإننا سنضمن – بإذن الله – جيلاً من الأبطال القادرين على تمثيل الوطن في أكبر المحافل الدولية.
فالطريق إلى منصة التتويج يبدأ من الأكاديمية… وهناك تُصنع البدايات التي تصنع المجد.






