مقالات وشعر

الملك عبدالعزيز.. رجلٌ وحّد الأرض وأقام دولة المجد

بقلم: محمد بن متعب بن ثنيان بن محمد آل سعود

باحث في مجال السياسة ومكافحة الإرهاب والجريمة والأمن الوطني

حين تحتفل المملكة العربية السعودية بيومها الوطني السعودي الـ96، فإنها تستحضر مسيرة تأسيس دولة، وسيرة قائد وحّد البلاد، وأرسى دعائم وطن أصبح عنوانًا للعزة والوحدة والاستقرار.

ذلك القائد هو الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، رحمه الله، مؤسس المملكة العربية السعودية وملكها الأول، الذي جمع بين الشجاعة والحكمة وقوة الإرادة، وحمل مشروعًا واضحًا لتوحيد البلاد وبناء دولة تنقلها من التفرق والصراع إلى الأمن والاستقرار.

لم يبدأ الملك عبدالعزيز مسيرته بجيش كبير أو بإمكانات دولة مكتملة، بل بدأها بعزيمة راسخة، ومعه مجموعة محدودة من الرجال الذين آمنوا برؤيته ورافقوه في واحدة من أبرز مراحل التأسيس في تاريخ الجزيرة العربية الحديث.

وكان إصراره على العودة إلى الرياض واستعادة حكم آبائه وأجداده من أوائل المواقف التي كشفت عن شخصيته القيادية؛ فقد ظل متمسكًا بهدفه حتى أذن له والده الإمام عبدالرحمن الفيصل، رحمه الله، بالمضي في محاولته. ولم يرَ الملك عبدالعزيز في صعوبة الواقع نهاية للحلم، بل رأى فيها تحديًا يمكن التغلب عليه بالإرادة وحسن التخطيط.

وفي 5 شوال 1319هـ، الموافق 15 يناير 1902م، استعاد الملك عبدالعزيز الرياض في حدث أصبح من أبرز محطات التاريخ السعودي. ولم تمنعه قلة العدد ولا صعوبة الظروف من تحقيق هدفه، مستندًا إلى الجرأة وحسن التدبير ومعرفته الدقيقة بطبيعة الموقف.

ولم تكن استعادة الرياض نهاية الطريق، بل كانت بداية مشروع تاريخي أوسع لتوحيد البلاد وبناء دولة قادرة على حفظ الأمن وإدارة شؤون الناس. وعلى مدى أكثر من ثلاثة عقود، قاد الملك عبدالعزيز مسيرة التوحيد، وتوحّدت تباعًا تحت قيادته مناطق نجد والقصيم والأحساء وعسير وحائل والحجاز وجازان وغيرها، حتى اكتمل بناء الكيان السعودي الحديث.

وخلال تلك المسيرة، جمع الملك عبدالعزيز بين العمل العسكري والعمل السياسي ونهج المصالحة؛ فخاض المعارك، وعقد العهود، وكسب تأييد الرجال والقبائل، ورسّخ الولاء للدولة. وكان حاضرًا في الميدان، قريبًا من رجاله، يعرف متى يتقدم ومتى يصبر، ومتى يحسم ومتى يفتح باب المصالحة.

وهنا تتجلى عظمة تجربته؛ فلم يكن الإنجاز في الانتصار العسكري وحده، بل في قدرته على تحويل الانتصار إلى وحدة، والوحدة إلى دولة. فقد نظر الملك عبدالعزيز إلى ما بعد المعركة، وعمل على ترسيخ الأمن، وإقامة العدل، وجمع أبناء المناطق والقبائل تحت راية وطن واحد. وبذلك تحولت الوحدة إلى كيان سياسي واجتماعي أنهى التشتت، ورسّخ الاستقرار، وأقام دولة ذات سيادة ومكانة.

وقد أكسبته سنوات الشدة والغربة والعمل الميداني بصيرة واسعة بأحوال البلاد والناس، فجمع في قيادته بين قوة القرار وعدالة الحكم، وبين الشجاعة السياسية والحكمة في إدارة شؤون الدولة.

وبعد مسيرة طويلة من التوحيد، صدر الأمر الملكي رقم 2716 في 17 جمادى الأولى 1351هـ، بتوحيد البلاد وتسميتها «المملكة العربية السعودية»، على أن يصبح الاسم نافذًا ابتداءً من يوم الخميس 21 جمادى الأولى 1351هـ، الموافق 23 سبتمبر 1932م. وهو التاريخ الذي تحتفل فيه المملكة بيومها الوطني، وتستحضر من خلاله مشروع التوحيد وقيم الوحدة والاستقرار.

ومع اكتمال مسيرة التوحيد، واصل الملك عبدالعزيز، رحمه الله، ترسيخ مؤسسات الدولة وتنظيم شؤون الحكم والإدارة، وتطوير أجهزة الأمن والقضاء، ودعم التعليم، وتعزيز علاقات المملكة مع الدول الأخرى. ولم يكن بناء الدولة منفصلًا عن مسيرة التوحيد، بل سار معها وتوسع بعدها؛ فقد أدرك الملك عبدالعزيز أن توحيد الأرض يحتاج إلى مؤسسات تحفظ الأمن والعدل، وتنظم شؤون الناس، وتصون وحدة البلاد واستقرارها.

ولم تقتصر عناية الملك عبدالعزيز على بناء مؤسسات الدولة، بل امتدت إلى الإنسان وأحوال شعبه وتنظيم شؤون الحياة العامة؛ إيمانًا منه بأن قوة الدولة تقوم على تماسك مجتمعها واستقراره. وكان قريبًا من الناس، يستمع إليهم ويتابع شؤونهم ويولي احتياجاتهم عناية خاصة وكبيرة، جامعًا في قيادته بين هيبة الحاكم وبساطة التعامل، وبين الحزم والحكمة وتحمل المسؤولية.

كما أولى الملك عبدالعزيز، رحمه الله، الحرمين الشريفين عناية كبيرة، واهتم بخدمة حجاج بيت الله الحرام والمعتمرين، وتيسير شؤونهم وتعزيز أمنهم. وكانت العناية بالحرمين الشريفين وخدمة قاصديهما جزءًا أصيلًا من مسؤوليات الدولة، ومن مشروعه الأوسع لترسيخ الأمن وتنظيم أجهزة الدولة وتهيئة البلاد لمرحلة جديدة من البناء والتنمية.

وبعد حياة حافلة بالتأسيس والتوحيد وبناء الدولة، توفي الملك عبدالعزيز، رحمه الله، في مدينة الطائف يوم الاثنين 2 ربيع الأول 1373هـ، الموافق 9 نوفمبر 1953م، ثم نُقل جثمانه إلى الرياض، حيث وُوري الثرى في مقبرة العود. رحل المؤسس بعد أن ترك وطنًا موحدًا ودولة راسخة الأركان.

وتعاقب أبناؤه الملوك من بعده على مواصلة مسيرة البناء والنماء، رحم الله من توفي منهم، محافظين على وحدة الدولة وثوابتها ومكانتها، لتبقى الأسس التي أرساها المؤسس منطلقًا لمسيرة المملكة عبر الأجيال. وفي عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، حفظه الله، تواصلت مسيرة البناء والتنمية، وعززت المملكة أمنها ومكانتها، وواصلت عنايتها بالحرمين الشريفين وخدمة قاصديهما. ويقود صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، حفظه الله، مسيرة رؤية السعودية 2030 وبرامجها ومشروعاتها الوطنية؛ فتتسارع التنمية، ويتنوع الاقتصاد، وتتطور مؤسسات الدولة وقدراتها، وتتسع الفرص أمام أبناء الوطن، وتتوطد مكانة المملكة إقليميًا ودوليًا، مستندةً إلى إرثها العريق، ومتجهةً بثقة نحو مستقبل أكثر ازدهارًا وقوة.

وفي اليوم الوطني السعودي الـ96، نستحضر الملك عبدالعزيز، رحمه الله، قائدًا ومؤسسًا جسدت سيرته الشجاعة والحكمة والثبات، وكشفت عن قدرته على الجمع بين الحزم والمصالحة، وبين قوة الميدان وبُعد النظر السياسي. فقد أسس وطنًا في ظروف بالغة الصعوبة، ووحّد أرضه وأهله تحت راية واحدة، ثم أرسى دعائم الحكم والدولة، لتواصل الأجيال من بعده مسيرة البناء والتطوير، وتغدو المملكة العربية السعودية دولة موحدة قوية، ترفرف رايتها بكلمة التوحيد، وتحظى بمكانة رفيعة بين دول العالم.

رحم الله الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، ورحم أبناءه الملوك الراحلين، ورجال التوحيد الذين بذلوا أعمارهم في سبيل قيام المملكة العربية السعودية. وحفظ الله خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وسمو ولي عهده الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، حفظهما الله، وأدام على بلادنا وحدتها وازدهارها واستقرارها وأمنها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى