مقالات وشعر

زحام من الغرباء 

بقلم حنان بنت حسن الخناني 

لم تعد الوحدة في زمننا أن يجلس الإنسان وحيدًا في غرفة، أو أن يخلو المكان من الرفاق. لقد تطورت الوحدة حتى أصبحت وباءً خفيًا؛ يصيب الإنسان وهو وسط الزحام، وبين العائلة والأصدقاء، وأمام شاشات تعجّ بمئات الوجوه.

وهنا تلتقي الفكرة مع فلسفة لارس سفيندسن في كتابه فلسفة الوحدة؛ فالوحدة ليست مجرد غياب الآخرين، بل قد تكون غياب العلاقة التي تجعل وجود الآخرين ذا معنى.

قد يملك الإنسان آلاف المعارف، لكنه لا يجد شخصًا واحدًا يستطيع أن يقول له أمامه: (أنا بخير) 

وهو يعلم أنه ليس بخير. وقد يجلس إلى مائدة مكتظة بالأحاديث، ثم يعود إلى غرفته محمّلًا بذلك الفراغ الذي لم يستطع أحد أن يراه.

إن أخطر ما في الوحدة أنها لا تُرى.

فالإنسان المنعزل نعرف وحدته، أما الإنسان الذي يضحك كثيرًا، ويجامل كثيرًا، ويظهر دائمًا محاطًا بالناس، فقد يحمل في داخله عزلة أشد قسوة. ولهذا ربما لم تعد مشكلة عصرنا في قلة التواصل، وإنما في سطحية التواصل.

نحن نتحدث أكثر، لكن كثرة الحديث لا تعني عمق الحوار.

نرى بعضنا أكثر، لكن الرؤية لا تعني أننا نعرف بعضنا.

نرسل الكلمات بسرعة، لكننا نادرًا ما نمنح الآخر إصغاءً يجعله يشعر بأنه مفهوم 

وهنا تكمن المفارقة. لقد صنعت التكنولوجيا طرقًا لا نهائية للوصول إلى الآخرين، لكنها لم تستطع أن تضمن لنا القرب منهم.

ولعل الوحدة تصبح أكثر قسوة حين يفقد الإنسان القدرة على مشاركة عالمه الداخلي. فالإنسان لا يحتاج دائمًا إلى شخص يحل مشكلاته؛ أحيانًا يحتاج فقط إلى شخص يستطيع أن يجلس بجانبه دون أن يطالبه بأن يكون قويًا.

إن وباء الوحدة لا يعالج بكثرة العلاقات، وإنما بجودة العلاقة.

قد يكون في حياة الإنسان شخص واحد يمنحه شعورًا بالأمان، فيغنيه عن مئات العلاقات العابرة. وقد يكون محاطًا بمئات الأشخاص، لكنه يظل يبحث عن نافذة واحدة يطل منها على قلب إنسان آخر.

وربما لهذا لا ينبغي أن نسأل دائمًا: كم شخصًا في حياتك؟

بل السؤال الأعمق: مع من تستطيع أن تكون أنت، دون خوف من الحكم عليك؟

الوحدة ليست دائمًا عدوًا؛ فبعض العزلة ضرورة لاكتشاف الذات، والتأمل، وإعادة ترتيب الداخل. لكن حين تتحول العزلة إلى شعور دائم بأن لا أحد يفهمنا، ولا أحد يحتاج إلينا، ولا مكان لنا في عالم الآخرين، فإنها تصبح جرحًا لا يُرى.

وقد يكون الخلاص من وباء الوحدة أبسط مما نتصور: أن نقترب بصدق، أن نصغي دون استعجال، أن نسأل عن شخص وننتظر الإجابة فعلًا، وأن نمنح الآخرين مساحة ليكونوا ضعفاء دون أن نخجلهم من ضعفهم.

فربما لا يحتاج العالم إلى مزيد من الأشخاص، بقدر ما يحتاج إلى مزيد من العلاقات الإنسانية الحقيقية.

وفي النهاية، ليست الوحدة أن تكون بلا أحد، بل أن تكون بين الجميع ولا تجد قلبًا تستطيع أن تصل إليه، ولا قلبًا يستطيع أن يصل إليك.

وهذا هو الوجه الأكثر صمتًا لوَباء الوحدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى