
بقلم: [عبدالعزيزعطيه]
في الأزمنة القديمة، كان الراعي يحتاج إلى عصا خشبية، وكلب حراسة، ونغمة ناي شجية، ليقود قطيعه نحو الوادي. أما اليوم، وفي زمن «الوجاهة المصنوعة» والتجمعات التي تُدار خلف العدسات، فقد تطورت أساليب الرعي بصورة مختلفة؛ فلم يعد الراعي بحاجة إلى عصا أو ناي، بل إلى اسم فريق يجمعه، وحضور اجتماعي مستعار، ليصبح ذلك الاسم بمثابة «مغناطيس» يجذب حوله عشرات الأشخاص الذين ينظرون إليه باعتباره البوصلة والملهم.
إن الحديث عن رمزية «القطيع والراعي الذكي» ليس حكاية شعبية تُروى للأطفال، بل نموذج تفسيري يمكن أن يتكرر بأشكال مختلفة في واقعنا الاجتماعي والمهني. فقد نجد شخصًا وافر الحظ من الشهرة أو الجاه أو النفوذ، يحيط نفسه بمجموعة من الأفراد، رجالًا ونساءً، تحت مظلة اسم فريق لامع، فيتحول العدد إلى جزء من صورته العامة، بينما يتحول أفراد المجموعة تدريجيًا إلى هامش في مشهد يتصدره اسم واحد.
هم الذين يبذلون الجهد، يشاركون في الفعاليات، يمشون في الأودية، يتسلقون الجبال، يتحملون التعب، ويظهرون أمام الكاميرات، بينما قد يبقى الاسم الأبرز في المشهد هو اسم القائد أو صاحب الواجهة، وكأن الإنجاز الجماعي أصبح ملكًا لفرد واحد.
تشريح «الخانة»: كيف تُسلب الذات بإرادتها؟
تكمن المفارقة في أن كثيرًا من الأفراد يدخلون هذه التجمعات بإرادتهم الكاملة. يعتقدون أنهم يخوضون تجربة استثنائية، أو ينتمون إلى مشروع كبير، أو يشاركون في صناعة إنجاز يستحق أن يُذكر.
لكن الخطر يبدأ عندما يتحول الانتماء من شراكة إلى تبعية، ومن العمل الجماعي إلى صناعة مجد شخصي.
عندها يصبح الفرد، في المعادلة الرقمية، مجرد رقم يضاف إلى الصورة العامة؛ وكلما ازداد عدد الأفراد، ازداد بريق الواجهة، دون أن يعني ذلك بالضرورة أن لكل فرد حضورًا حقيقيًا أو اسمًا مستقلًا أو نصيبًا عادلًا من الإنجاز.
««ليست المأساة في أن يقود أحدهم مجموعة، بل في أن يفقد أفراد المجموعة قدرتهم على رؤية ذواتهم خارج ظل القائد.»»
داخل بعض هذه التجمعات، قد تنشأ طبقية غير مكتوبة، لكنها واضحة في الممارسة:
صاحب الاسم والواجهة:
يصبح المستفيد الأكبر من الصورة الجماعية؛ فكلما اتسعت الدائرة من حوله، بدا أكثر حضورًا وتأثيرًا، وقد تتحول إنجازات المجموعة إلى رصيد معنوي يضاف إلى صورته الشخصية.
أصحاب الهامش:
هم الذين يشاركون ويبذلون ويظهرون، لكن أسماءهم قد لا تحظى بالقدر ذاته من الاهتمام. يتحركون وفق إيقاع المجموعة، وربما لا يتوقفون كثيرًا عند سؤال مهم: هل نحن شركاء في صناعة الإنجاز، أم مجرد عناصر تكمل الصورة؟
تكتيكات الاستبدال والإقصاء
تزداد المشكلة تعقيدًا عندما يبدأ أحد أفراد المجموعة في التفكير بصورة مستقلة، أو يطرح سؤالًا مختلفًا، أو يملك طموحًا خاصًا قد يتجاوز الدور المرسوم له.
هنا تظهر إحدى أكثر الظواهر قسوة في العلاقات القائمة على التبعية: الاستبدال.
فالشخص الذي كان حاضرًا بالأمس قد يجد نفسه خارج المشهد اليوم، لا بسبب ضعف قدراته، وإنما لأنه لم يعد منسجمًا مع الدور الذي رُسم له.
وقد يحدث ذلك من خلال التهميش، أو تقليص الحضور، أو تجاهل الجهد، أو ببساطة فتح المجال أمام شخص آخر ليحل محله.
والأكثر إثارة للتأمل أن «الخانة» في مثل هذه المنظومات نادرًا ما تبقى فارغة؛ فحين يغادر شخص، يأتي آخر. وحين يتراجع اسم، يظهر اسم جديد. وتستمر الدائرة وكأن الأشخاص قابلون للاستبدال، بينما تبقى الواجهة ثابتة.
وهنا يتحول الإنسان من شريك إلى وظيفة، ومن صاحب قيمة إلى مجرد «رقم قابل للاستبدال».
حين يصبح العدد إنجازًا
المشكلة ليست في كثرة الأعضاء، ولا في تأسيس الفرق، ولا في العمل الجماعي؛ فكل ذلك يمكن أن يكون إيجابيًا ومثمرًا.
المشكلة تبدأ عندما يصبح العدد بديلاً عن القيمة.
فليس المهم كم شخصًا يقف خلفك، وإنما كم شخصًا استطاع أن يقف بجوارك وهو محتفظ باسمه وشخصيته واستقلاله.
الفريق الحقيقي لا يصنع تابعين، بل يصنع شركاء.
والقائد الحقيقي لا يخشى بروز الآخرين، بل يفرح عندما يرى أسماءهم تكبر إلى جواره.
أما القيادة التي تحتاج إلى إبقاء الآخرين في الظل حتى تبقى هي في الضوء، فهي ليست قيادة بقدر ما هي إدارة للخوف من المنافسة.
الخاتمة: من يحمل العصا ومن يحمل المعنى؟
هذا المقال ليس تحاملًا على فئة بعينها، ولا اتهامًا لكل من يقود فريقًا أو يعمل ضمن مجموعة، وإنما هو تأمل في واحدة من أكثر الظواهر حضورًا في العلاقات الاجتماعية والمهنية: التبعية حين تتحول إلى هوية، والعدد حين يتحول إلى سلطة.
البطولة الحقيقية ليست في أن تكون رقمًا يكمل صورة غيرك، ولا في أن تمنح اسمك وجهدك ووقتك لمجد لا يحمل اسمك.
البطولة أن تكون قادرًا على أن تعمل مع الآخرين دون أن تفقد نفسك، وأن تنتمي إلى فريق دون أن تتحول إلى تابع، وأن تساند قائدًا دون أن تتنازل عن حقك في أن يكون لك اسم وصوت وإنجاز.
فالفريق الذي يرفع أفراده، يرفع نفسه.
والقائد الذي يصنع نجومًا إلى جواره، يثبت أنه قائد.
أما من يحتاج إلى عشرات الأسماء حوله ليبدو كبيرًا، فقد يكون في الحقيقة أكثر الناس خوفًا من أن يظهر وحده.
وفي النهاية، ليست القضية: من يحمل العصا؟
بل السؤال الأهم:
من يحمل المعنى؟
لأن الإنسان قد يكون رقمًا في قائمة، لكنه لا ينبغي أن يكون هامشًا في حياة أحد.





