
الدكتور :رشيد بن عبدالعزيز الحمد
– في مسيرتي في قطاع التعليم، عملت في أكثر من جهة تعليمية، والتقيت نماذج مختلفة من القيادات وأصحاب الأعمال. تعلمت من بعضها الكثير، واختلفت مع بعضها في بعض الممارسات، لكنني بقيت مؤمنًا بأن المؤسسات التعليمية تحديدًا لا تُقاس بحجم مبانيها، ولا بعدد مدارسها، ولا بما تقوله عن نفسها، وإنما بما تتركه من أثر في الإنسان.
ولعل أكثر ما يؤلم الإنسان أن يرى الفارق الكبير بين الكلام الجميل والممارسة الفعلية.
تعرفت خلال عملي على بعض أصحاب الشركات التعليمية الذين يتحدثون كثيرًا عن القيم، والعدالة، وحقوق الموظفين، ويستشهدون بالنصوص الشرعية التي تحث على الأمانة والوفاء وإعطاء العامل حقه. وهذا أمر جميل ومحمود، بل إن الإنسان يفرح عندما يجد صاحب عمل يستحضر الدين والأخلاق في إدارته.
لكن السؤال الحقيقي لا يكون أمام الميكروفون، ولا في الاجتماعات، ولا في الكلمات المؤثرة…
السؤال الحقيقي يبدأ عندما يأتي وقت الاختبار.
عندما ينتهي عقد موظف، أو تنتهي مهمة معلم أو إداري، أو تظهر مستحقات مالية، أو يقع خلاف في وجهات النظر؛ هنا تظهر حقيقة الإدارة، وهنا نعرف هل كانت القيم التي تحدثنا عنها منهجًا ثابتًا، أم مجرد عبارات جميلة.
المؤلم أن بعض الموظفين الذين يعملون في الميدان لا يملكون في كثير من الأحيان سوى التنفيذ. تصلهم التعليمات، فينفذونها، وقد يجد الموظف نفسه أمام قرار بخصم من راتب زميل، أو حرمان موظف من حق، أو اتخاذ إجراء لا ينسجم مع الأنظمة واللوائح.
والأغرب أن تتحول المسألة أحيانًا إلى معادلة قاسية:
“من يطالب بحقه سنعطيه، ومن لا يطالب فليذهب حقه معه.”
وهذه ليست إدارة، ولا عدالة، ولا تربية.
فالحق لا يصبح حقًا لأن صاحبه استطاع أن يطالب به، ولا يسقط لأن صاحبه لا يعرف كيف يطالب.
وفي تجربتي الشخصية، عشت جانبًا من هذه المفارقة. فقد عملت في قطاع التعليم سنوات طويلة، وتحملت مسؤوليات إدارية، وشاركت في بناء وتطوير مدارس، وكان هدفي أن أطبق الأنظمة وأرفع مستوى الأداء وأزيد الإيرادات وأحافظ على ثقة الأسرة والطالب.
وعندما غادرت إحدى الجهات التعليمية التي عملت بها، بقيت لي مستحقات مالية أرى أنها حقوق ثابتة عن سنوات العمل والجهد. وكان من المؤلم أن يتحول النقاش حول هذه المستحقات إلى اتهام بأن ما تحقق خلال فترة إدارتي تسبب في خسارة الشركة، رغم أن الأرقام والنتائج وتجربة المدارس نفسها كانت تقول شيئًا مختلفًا.
ولست هنا لأصدر حكمًا على أحد، ولا لأدخل في خصومة شخصية، ولا لأحوّل تجربة مهنية إلى تصفية حسابات.
لكنني أكتب عن مبدأ.
فالقطاع التعليمي ليس نشاطًا تجاريًا فقط، حتى وإن كان له جانب اقتصادي واستثماري. إنه قطاع يتعامل مع الإنسان: معلمًا، وإداريًا، وطالبًا، وولي أمر. وإذا فقد الإنسان ثقته في المؤسسة التي يعمل فيها، فلن تنقذه عشرات الشعارات عن الجودة والتميز والقيم.
وقد تعلمنا في التربية أن القدوة أقوى من الكلام.
فإذا تحدثنا عن الأمانة، فعلينا أن نكون أمناء عندما تكون الأمانة مكلفة.
وإذا تحدثنا عن العدل، فعلينا أن نعدل عندما يكون الطرف الآخر أضعف منا.
وإذا تحدثنا عن الدين، فعلينا أن نجعل أخلاق الدين حاضرة في قراراتنا قبل أن تكون حاضرة في أحاديثنا.
وإذا تحدثنا عن حقوق الموظفين، فليكن أول اختبار لذلك هو مستحقات الموظف الذي انتهت علاقته بالمؤسسة.
ليس من الصعب أن تقول للناس: “احفظوا حقوق العاملين”.
الصعب أن يأتي موظف بسيط يطالب بحقه، فتمنحه حقه من غير مماطلة، ولا منّة، ولا انتظار لشكوى، ولا خوف من جهة رقابية.
وهنا أتذكر دائمًا أن المؤسسات لا تكبر فقط بعدد فروعها وطلابها وإيراداتها، وإنما تكبر بعدد الأشخاص الذين يغادرونها وهم يقولون:
“لقد أنصفوني.”
أما الموظف الذي يغادر وهو يشعر أن سنوات عمره وجهده لم تكن لها قيمة، فهو خسارة أكبر من أي خسارة مالية.
وأنا، رغم كل ما مررت به، لا أندم على سنوات عملي في التعليم؛ فقد كانت مدرسة أخرى من مدارس الحياة. تعلمت فيها أن النجاح ليس أن تصل إلى منصب، ولا أن تدير مؤسسة كبيرة، وإنما أن تترك وراءك أشخاصًا يقولون: كان عادلًا، وكان أمينًا، وكان يحفظ حقوق الناس.
وهذه، في رأيي، هي الشهادة التي لا تستطيع أي شركة أن تمنحها لنفسها في إعلان أو تقرير.
فالقيم لا تُقاس بما نقوله عنها… وإنما بما نفعله عندما يصبح تطبيقها مكلفًا.
والتعليم قبل أن يكون مباني ومناهج واستثمارات، هو رسالة.
ومن لا يحفظ حق الإنسان الذي يعمل معه، يصعب عليه أن يقنع الآخرين بأنه يبني الإنسان.





