مقالات وشعر

شعلة لا تنطفئ وحقوق تُسترد: المعلم في وجدان الوطن مع مطلع العام الجديد

بقلم: عبدالله الحكمي

صحفي وكاتب ومستشار إعلامي 

مع بزوغ فجر اول ايام عام دراسي جديد، وتزامناً مع عودة الملايين من أبنائنا وبناتنا إلى مقاعد المعرفة صياغةً لقصة نجاح وطنية متجددة، تتجه الأنظار والقلوب تلقاء صناع المجد الحقيقيين وفرسان الميدان الأوفياء؛ المعلم والمعلمة. إنها لحظة استثنائية لا نستهلها بمجرد رصد الجاهزية للمدارس، بل بوقفة إجلال نجدد فيها الثناء والتقدير للذين لم ولن تنطفئ شعلتهم، أولئك الذين يوقدون شموع الأمل في عقول الناشئة، ويمدون جسور العطاء المعرفي والتربوي بروح لا تعرف الكلل، متجاوزين بأثرهم النبيل حدود الغرفة الصفية الضيقة إلى آفاق بناء المجتمع والإنسان الكبرى.

لقد آمنتُ دائماً، وذكرتُ في مقالاتي السابقة وكتاباتي المستمرة عبر هذا المنبر، أن التعليم في جوهره وحقيقته ليس وظيفة روتينية يترقب صاحبها انقضاء الساعات والشهور، بل هو رسالة سماوية سامية تستلزم عقيدة مهنية قوامها: “الجهد الفائق، والتحمل الصادق، والصبر الجميل، والمثابرة التي تفلق الصخر”، وقد علموا “المعلم والمعلمة” ان التعليم ليس مجرد وظيفة مادية، بل هو أمانة عظيمة ومسؤولية أخلاقية وإنسانية تساهم في تشكيل مستقبل الأجيال. ولذلك فإن علاقة المعلم بطلابه تحاكي تقلبات “الفصول الأربعة”؛ رحلة ممتدة من الكفاح والعطاء النفسي والذهني المستمر، تتكامل فيه فترات الجد والتحصيل مع فترات التوجيه والتقويم، لتصنع في المحصلة وعياً وطنياً راسخاً. ولأن الحقائق الثابتة تؤكد أنه “خلف كل قمة معلم”، فإننا نقف اليوم لنؤكد أن عودة الحياة إلى الميدان التعليمي هي عودة الروح إلى جسد الوطن، عودةٌ يقودها المربون الأفاضل بعزيمة متقدة وشغف لا يخبو في مستهل هذا الماراثون المعرفي.

“لم اكن معلما يوما وإنما متابعا لنتاج التعليم فلو لم يكن المعلم لما خطّ قلمي حرفا ولما كان هناك وزيرا ولا مديرا ولا موظفا” وكم يسعدني كإعلامي عاصر هموم هذا الميدان، وطالما سخّر قلمه لإيصال صوت المعلم، او دافع عنه أن أرى تلك المطالب والدعوات التي ناديتُ بها مراراً وتكراراً في كتاباتي السابقة، قد تجسدت اليوم واقعاً ملموساً وتحقق بعضها بحمد الله من خلال تلك القرارات الهامة المباركة. فما أبهى أن يتزامن انطلاق هذا العام الدراسي مع ذلك التناغم البديع بين جهود المعلمين المخلصة، وبين قرارات الإنصاف والتقدير التي زفتها القيادة الرشيدة ومسؤولو التعليم مؤخراً، لتثبت للقاصي والداني أن المعلم هو الثروة الحقيقية التي تحاط بالرعاية والتمكين. لقد جاءت الحزمة الأخيرة من القرارات التعليمية والتنظيمية لتنزع من كاهل المعلمين والمعلمات بعض أعباءً طالما أرقت استقرارهم المهني والأسري. ويأتي في طليعة هذه القرارات المباركة إيقاف نظام الساعات السبع الممتدة وإلغاء القيود الجافة لتطبيق «حضوري» الإلكتروني، ليرتبط انصراف المعلم بنهاية اليوم الدراسي الفعلي وجدوله المدرسي المعتمد؛ في خطوة أعادت للوقت قيمته الجوهرية، وحررت المعلم من “عدّاد الساعات العبثي” ليفرغ طاقته لما هو أسمى وأبقى داخل الفصل.

ولم تقف عجلة الإنصاف عند هذا ، بل امتدت لتشمل التوجه الحكيم والمنتظر بفصل العلاوة السنوية المستحقة عن متطلبات الرخصة المهنية، لتعود العلاوة حقاً أصيلاً ومحفزاً طبيعياً للعطاء المستمر دون شروط معقدة، جنباً إلى جنب مع خطوات مراجعة الهيكلة التعليمية والعودة التدريجية لنظام الفصلين الدراسيين لتخفيف العبء الممتد على المعلم والطالب على حد سواء. إن هذه القرارات الاستثنائية التي ناضلت أقلامنا من أجلها لم تكن مجرد تعديلات إدارية عابرة، بل هي رد اعتبار حقيقي، واسترداد لحقوق مادية ونفسية مستحقة، وضعت بيئة التعليم في مسارها الصحيح والملهم، وبثت موجة من التفاؤل والارتياح في صفوف فرسان الميدان مع أول أيام عامهم الجديد.

إننا ونحن نستقبل هذا العام التعليمي الواعد، نبعثها تحية فخر منمقة بمداد الاعتزاز إلى كل معلم ومعلمة على أرض هذا الوطن المعطاء. إن ثقتنا بكم لا تحدها حدود، فأنتم الأيدي الأمينة التي تصيغ تطلعات الرؤية الطموحة، وأنتم الحصن الحصين لعقول أبنائنا. فخلف كل قمة تصعدها الأمم ، معلم مخلص زرع بوعيه، وحصدت الأمة من ثمار عطائه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى