
فاطمة إبراهيم البلوي – تبوك
هناك أوجاع لا يسمع صوتها أحد…
أوجاع لا تظهر في الأشعة، ولا تُكتب في التقارير الطبية، ولا يستطيع صاحبها أن يشرحها كل مرة لمن حوله..
ومن أكثرها قسوة أن تعيش يومك وأنت تحسب خطواتك..
وتحسب طاقتك..
وتعرف أن أبسط الأشياء التي يفعلها الآخرون دون تفكير قد تتحول بالنسبة لك إلى معركة طويلة..
وأنا أكتب اليوم، لا أتحدث عن موقف عابر سمعته من أحد، ولا عن مشكلة قرأت عنها في مكان ما..
أنا أتحدث عن تجربة عشتها بنفسي…
مررت أكثر من مرة بذلك الشعور المؤلم حين أصل إلى مكان وأنا بحاجة فعلية إلى الموقف المخصص لذوي الإعاقة، ثم أجده مشغولًا بسيارة لا تحمل ما يثبت أحقيتها باستخدامه…
في تلك اللحظة، لا أجد نفسي غاضبة بقدر ما أشعر بشيء من الانكسار..
أنظر إلى الموقف، ثم أنظر إلى المسافة التي يفترض أن أقطعها من موقف إلى آخر، وأبدأ في حساب قدرتي…
هل أستطيع أن أمشي هذه المسافة؟
هل أستطيع أن أتحمل الانتظار؟
هل أستطيع أن أكمل يومي بعد هذا الجهد؟
قد تبدو هذه الأسئلة بسيطة لمن يسمعها، لكنها بالنسبة لي في تلك اللحظة ليست بسيطة أبدًا..
لأنني أعرف جسدي..
وأعرف حدود طاقتي..
وأعرف أن تلك الأمتار القليلة قد لا تكون قليلة عليّ..
وأحيانًا يكون أصعب ما في الموقف أن تشعر أنك مضطر لتبرير حاجتك..
أن تنظر إلى من حولك وتتمنى لو أنهم يستطيعون رؤية ما لا يظهر على ملامحك…
أن تقول في داخلك..
أنا لا أطلب مكانًا مميزًا… أنا فقط أحتاج المكان الذي خُصص لي..
هذه التجربة جعلتني أفكر كثيرًا في الأشخاص الذين يعيشون الأمر نفسه كل يوم…
في أم قد تحمل طفلًا من ذوي الإعاقة..
وفي أب يحاول أن يخفي تعبه..
وفي شخص يستخدم كرسيًا متحركًا..
وفي آخر قد تبدو إعاقته غير واضحة لمن يراه لأول مرة..
كم مرة وصلوا إلى المكان الذي يحتاجونه، ثم وجدوه مشغولًا؟
كم مرة اضطروا إلى البحث عن بديل؟
وكم مرة ابتلعوا ألمهم وصمتوا، لأنهم تعبوا من شرح شيء يفترض أن يكون واضحًا؟
فليست كل إعاقة تُرى، وليست كل معاناة لها ملامح..
قد تراني أمشي، لكنك لا تعرف كم يؤلمني ذلك…
وقد تراني واقفة، لكنك لا تعرف كم أحتاج إلى أن أجلس..
وقد تراني بخير، بينما أبذل كل ما أستطيع حتى أكمل يومي بصورة طبيعية..
ولهذا أصبحت أنظر إلى موقف ذوي الإعاقة بطريقة مختلفة تمامًا…
لم يعد بالنسبة لي مجرد مساحة قريبة من الباب..
أصبح بالنسبة لي رحمة..
أصبح اختصارًا للألم..
أصبح مساحة تقول للشخص الذي يحتاجها هناك من فكر فيك قبل أن تصل..
إلى المرور والجهات المعنية
من هنا، ومن واقع تجربة شخصية عشتها، أتمنى أن تجد هذه المعاناة مزيدًا من الاهتمام والرقابة.
نأمل تعزيز الرقابة على المواقف المخصصة لذوي الإعاقة، وتطبيق العقوبات النظامية على من يستخدمها دون استحقاق، وتشديد الإجراءات التي تمنع تكرار هذه المخالفات، مع إيجاد وسائل أكثر فاعلية للرصد والمتابعة.
لا أكتب هذا طلبًا للامتياز، ولا رغبة في أن تكون لنا معاملة مختلفة..
كل ما نريده هو أن يصل الحق إلى صاحبه..
أن نصل إلى المكان فنجد موقفنا موجودًا..
أن نخرج من السيارة دون أن نبدأ معركة جديدة مع المسافة والتعب..
أن لا نضطر في كل مرة إلى السؤال:
أين سنقف؟
وكيف سنصل؟
وهل نستطيع؟
ربما لا يستطيع أحد أن يحمل عنا الألم الذي نعيشه..
ولا يستطيع أن يعيد لنا ما فقدناه من قدرة..
لكن هناك أشياء صغيرة جدًا يمكن أن تجعل الحياة أرحم..
ومن بينها…
أن يترك الإنسان الموقف لمن يحتاجه..
أن يرى اللوحة، فيتذكر أن خلفها إنسانًا له ظروفه وألمه وكرامته…
أن يفكر للحظة قبل أن يوقف سيارته..
ماذا لو كان هذا المكان لي أنا؟
ماذا لو كنت أنا من يحتاجه؟
ماذا لو كان أحد أحبتي هو من ينتظر هذا الموقف؟
ربما عندها سنفهم أن المسألة ليست سيارة، ولا موقفًا، ولا دقائق قليلة..
إنها حياة إنسان يحاول أن يعيش يومه بأقل قدر ممكن من الألم…
وأنا، من تجربتي، أعرف أن الإنسان المتعب لا يحتاج دائمًا إلى شيء كبير..
أحيانًا يحتاج فقط إلى أن يجد الطريق مهيأً أمامه..
إلى أن يجد مكانًا ينتظره..
إلى أن يشعر أن المجتمع يراه..
وأن النظام يحمي حقه..
وأن الناس من حوله يشعرون به..
فلا تجعلوا من معاناة ذوي الإعاقة معركة إضافية..
اتركوا لهم مواقفهم..
اتركوا لهم مساحتهم..
اتركوا لهم شيئًا واحدًا على الأقل من هذه الحياة…
أقل ألمًا…






