مقالات وشعر

خارج الدائرة.

بقلم: فاطمة إبراهيم البلوي

هناك أماكن…

كلما اقتربتَ منها،

اكتشفتَ أن البعد عنها نعمة..

وأشخاص…

كلما عرفتهم أكثر،

فهمت لماذا اختار بعضهم أن يبقى بعيدًا..

في بعض الدوائر…

لا يكفي أن تكون موهوبًا،

ولا أن تكون صادقًا،

ولا أن يكون لك حضورك واسمك…

عليك أولًا أن تتعلّم قواعدهم..

أن تبتسم حين لا يعجبك شيء…

أن تصمت حين يجب أن تتكلم…

أن تمدح ما لا يستحق المدح…

وأن تتنازل قليلًا… ثم قليلًا…

حتى لا يبقى منك إلا النسخة التي تناسبهم..

وهنا…

أعرف أنني لا أنتمي…

ليس لأنني عاجزة عن الاقتراب،

ولا لأن الأبواب مغلقة في وجهي…

بل لأنني لا أجيد ذلك النوع من العبور..

لا أجيد أن أرتدي وجهًا لا يشبهني،

ولا أن أوزّع الود حيث لا يوجد ود،

ولا أن أبادل المجاملة بمجاملة،

ولا أن أضع الحقيقة جانبًا حتى أحصل على مقعد…

لذلك اخترتُ أن أبقى خارج الدائرة…

بعيدة…

لكنني مرتاحة.

وحيدة أحيانًا…

لكنني لا أحتاج أن أساوم على نفسي كي لا أشعر بالوحدة.

أكتب..

وأترك كلماتي تقول ما لا أقوله للأشخاص…

فأنا لا أحتاج إلى أن أكون قريبة من الجميع كي أثبت أنني موجودة…

ولا أحتاج إلى أن يُصفّق لي أحد كي أعرف قيمة ما أكتب..

بعض الحضور… ضجيج.

وبعض الغياب… موقف.

ولعل أكثر ما يزعج بعضهم في ابتعادي…

أنني لم أبتعد لأنهم طردوني،

بل لأنني رأيت ما يكفي… 

واخترت ألا أكون جزءًا منه..

هناك فرق كبير بين أن تُستبعد من مكان…

وأن تختار بنفسك ألّا تنتمي إليه..

الأولى قد تكون خسارة…

أما الثانية، فقد تكون كرامة…

ولذلك… لا تبحثوا عني في تلك الدوائر.

أنا اخترتُ عالمي…

بكل هدوئه..

وبكل وحدته..

وبكل صدقه..

ولستُ نادمة على مقعدٍ لم أجلس عليه،

ولا على بابٍ لم أدخل منه،

ولا على جماعةٍ كان ثمن القرب منها أن أخسر شيئًا من نفسي…

فأنا لا أخاف أن أبقى خارج الدائرة…

ما دمتُ في الداخل، داخل نفسي،

لم أبع شيئًا من قيمي كي أُقال:

إنني واحدةٌ منهم…

وربما…

سيأتي يوم يفهم فيه البعض أنني لم أكن بعيدةً عنهم لأنني لم أستطع الوصول…

كنتُ بعيدةً لأنني وصلتُ إلى ما يكفي لأعرف أنني لا أريد الوصول…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى