
الأستاذ الدكتور محمد بن عوض الأسمري- تبوك
أناقة اللص لا تغير حقيقة أنه لص.
والمجاملة هي أخطر لصوص الوقت، لأنه يأتي بابتسامة، ويدخل بلا استئذان، ويخرج بلا فائدة. لا يقتحم وقتك بالقوة، بل تفتح له الباب أنت خجلاً.
تجد نفسك في مجلس يمتد ساعتين بلا معنى، أو مكالمة هاتفية تعتذر فيها عشر مرات ولا تستطيع أن تقول: وقتي ضيق. أو زيارة عمل تحولت إلى قهوة وقصص، فقط لأنك لا تريد أن تبدو غير لطيف.
المشكلة أن المجاملة لا تسرق دقائقك فقط، بل تسرق انتباهك. ونحن اليوم نحمي بياناتنا بجدران نارية وكلمات مرور، لكننا نترك وقتنا بلا حماية. نغلق أجهزتنا ولا نغلق أبواب وقتنا.
ترسخت في وعينا خديعة كبرى: أن قول “لا” قلة ذوق، وأن المجاملة هي قمة الأخلاق. والحقيقة عكس ذلك تماماً. المجاملة التي تضيع وقتك ووقت الآخرين ليست أخلاقاً، بل هي هدر مزدوج. والأخلاق الحقيقية أن تحترم وقتك ووقت من أمامك؛ فمن لا يحترم وقته لا يحترمه أحد.
وهنا نصل للسؤال المفتاحي: كيف نحمي وقتنا من هذا اللص الأنيق؟
الحل ليس أن تكون فظاً غليظاً، بل أن تكون واضحاً وأنيقاً في آن واحد.
أولاً، قاعدة الدقائق العشر المحمية:
قبل أي لقاء أو مكالمة، حدد إطاراً زمنياً بوضوح. قل في البداية: “سعيد بلقائك، عندي 10 دقائق تركيز كامل لك”. أنت هنا لم ترفضه، بل احترمته وحددت له مساحة من الجودة بدلاً من ساعتين من التشتيت. هذه العبارة وحدها توفر لك ما لا يقل عن 5 ساعات أسبوعياً كانت ستذهب مجاملة.
ثانياً، قاعدة العبارة الجاهزة:
أكثر ما يجعلنا نفشل في قول “لا” هو الارتباك اللحظي. جهز عباراتك الأنيقة مسبقاً واحفظها: “أقدر ثقتك جداً، وارتباطي الحالي لا يسمح لي بإعطائك حقك”، “خلينا نركز في هذا الموضوع حتى أنجزه لك بسرعة، ونؤجل الباقي لموعد آخر”. حين تكون العبارة جاهزة، لن تتردد.
ثالثاً، قاعدة البديل الذكي:
لا تترك فراغاً بعد كلمة “لا”. قدم بديلاً يحفظ الود ويحمي الوقت. قل: “لا أستطيع اليوم، لكن يمكنني غداً الساعة 10 لمدة ربع ساعة، هل يناسبك؟”. أنت بذلك حولت المجاملة من لص يسرق وقتك بلا موعد، إلى ضيف يحترم موعده.
وختاماً، في كل مرة تقول فيها “نعم” مجاملة وأنت تريد “لا”، فأنت تقول “لا” من أجل عائلتك، ولهدفك، ولراحتك، ولنفسك؛ فالمجاملة الحقيقية ليست أن تتواجد جسداً وعقلك في مكان آخر، بل أن تتواجد بكامل تركيزك لدقائق معدودة خير من ساعات طويلة من الحضور الباهت.
وتذكر دائماً:
“من لا يحرس وقته، سيسرقه الجميع مجاملة، ومن قال لا الأنيقة اليوم، اشترى نعم العظيمة غداً”





