
الدكتور :رشيد بن عبدالعزيز الحمد
– كلما خسرنا بطولة، أو تراجع مستوى المنتخب، أو بحث نادٍ عن لاعب جديد، اتجهت الأنظار إلى المدرب، أو الاتحاد، أو الأندية، أو حتى الاحتراف.
لكن قلّما سألنا السؤال الذي يسبق كل ذلك:
من أين يأتي اللاعب أصلًا؟
الحقيقة التي لا ينبغي أن تغيب هي أن اللاعب لا يولد في النادي، بل في المدرسة. هناك تُكتشف الموهبة، وتُبنى الشخصية، ويُصنع الانضباط، وتتكون أول علاقة بين الطفل والرياضة. أما النادي، فهو محطة تطوير، وليس نقطة البداية.
ولذلك، فإن أي مشروع وطني لصناعة لاعب سعودي قادر على المنافسة القارية والعالمية، لن يكتمل ما لم تعد المدرسة إلى موقعها الطبيعي كشريك رئيس في هذه الصناعة.
المملكة تمتلك آلاف المدارس، وملايين الطلاب، وهي أكبر قاعدة لاكتشاف المواهب في الوطن. ومع ذلك، لا تزال الرياضة المدرسية أقل بكثير من حجم الطموح الذي تعيشه الرياضة السعودية اليوم.
في كثير من المدارس، ما زلنا نفتقد الملاعب المناسبة، والتجهيزات الأساسية، والبرامج التنافسية المستمرة، والكوادر المتخصصة، وآليات اكتشاف المواهب وربطها بالأندية. فتضيع مواهب كثيرة قبل أن تجد من يكتشفها، وربما قبل أن تدرك هي نفسها ما تملكه من إمكانات.
وليس المقصود هنا توجيه اللوم إلى جهة بعينها، بل التأكيد على أن وزارة التعليم شريك أساسي في مشروع صناعة الرياضي السعودي، تمامًا كما هي وزارة الرياضة، والاتحاد السعودي لكرة القدم، والأندية. فالنجاح في هذا الملف لا تصنعه جهة واحدة، بل منظومة تعمل وفق رؤية واحدة.
لقد أثبتت التجارب العالمية أن المدرسة ليست مكانًا للتعليم الأكاديمي فحسب، بل بيئة لبناء الإنسان واكتشاف قدراته. واليابان مثال بارز؛ إذ لم تبدأ نهضتها الكروية من عقود اللاعبين أو الملاعب العملاقة، بل من المدرسة، ومن مسابقات منتظمة، ومن معلمين ومدربين، ومن شراكة حقيقية بين التعليم والرياضة. وحين أصبحت القاعدة قوية، جاءت النتائج تباعًا.
واليوم، ونحن نعيش أكبر مشروع تطوير رياضي في تاريخ المملكة، فإن السؤال الذي يستحق أن يُطرح هو: هل تسير الرياضة المدرسية بالسرعة نفسها التي تسير بها بقية مشاريع التطوير؟
إن الاستثمار في المدرسة ليس بندًا إضافيًا في ميزانية الرياضة، بل هو الاستثمار الأكثر جدوى. فاللاعب الذي يُكتشف في العاشرة من عمره، ويجد بيئة تدريبية سليمة، سيكون بعد سنوات مشروع نجم يخدم ناديه ومنتخب بلاده.
أما إذا بقينا ننتظر حتى يبلغ السادسة عشرة أو السابعة عشرة، فإننا نكون قد أضعنا سنواتٍ كان يمكن أن تُصنع فيها الفوارق.
الرهان الحقيقي ليس على استقطاب المواهب من الخارج، بل على اكتشافها في الداخل. وليس على البحث عن اللاعب بعد أن يكتمل، بل على صناعته منذ خطواته الأولى.
ولهذا، فإن الطريق إلى منصة التتويج قد لا يبدأ من استاد حديث أو صفقة كبيرة… بل من ملعب مدرسة، ومعلم يؤمن بطلابه، ومسابقة مدرسية تُعيد للرياضة المدرسية دورها، وتجعل من المدرسة الشريك الذي لا غنى عنه في صناعة مستقبل الكرة السعودية.





