مقالات وشعر

بين التمجيد والتطبيل.. حين يتحول التصوير إلى وسيلة للبحث عن الأضواء

 

صالح الصواط – مكة المكرمة

في كل مناسبة، وفي كل مجلس، وفي كل تجمع، يظهر ذلك المشهد المكرر الذي أصبح يثير السخرية أكثر مما يثير الإعجاب؛ أشخاص يلاحقون التجار والشيوخ وأصحاب النفوذ بحثاً عن صورة عابرة، ثم يسارعون إلى نشرها مصحوبة بسيل من عبارات التمجيد والإطراء والتبجيل، وكأنهم حققوا إنجازاً وطنياً أو صنعوا أثراً يستحق الاحتفاء.

لقد أصبحت هذه الظاهرة مكشوفة للجميع. فالمجتمع اليوم لم يعد مجتمعاً بسيطاً تنطلي عليه المظاهر أو تخدعه الألقاب الرنانة. نحن نعيش في زمن ارتقى فيه الوعي والعلم والفكر، وأصبح بيننا الأكاديمي والطبيب والمهندس والمعلم والباحث والأديب والمبتكر، ممن صنعوا أسماءهم بجهدهم وعلمهم وعطائهم، لا بصورة إلى جوار تاجر، ولا بابتسامة إلى جانب شيخ، ولا بمنشور مكرر يفيض بالتطبيل والتمجيد.

المشكلة ليست في الصورة ذاتها، بل فيما تحمله من رسائل فارغة يحاول البعض تسويقها للناس. فهناك من لا يملك مشروعاً ولا فكرة ولا إنجازاً ولا حضوراً حقيقياً، فيلجأ إلى الاحتماء بأسماء الآخرين، معتقداً أن الوقوف بجوار الناجحين سيجعله ناجحاً، وأن الاقتراب من أصحاب المكانة سيمنحه مكانة، وأن كثرة التصفيق ستمنحه قيمة يفتقدها.

لكن الحقيقة التي يدركها الجميع أن الاحترام لا يُستعار، والمكانة لا تُمنح بالمجاملة، والقيمة لا تُكتسب بالتقاط الصور. فليس كل لقب يُطلق على صاحبه يصبح حقيقة، وليس كل شيلة تُنشد في مناسبة ترفع شخصاً فوق قدره، وليس كل مديح يردده المصفقون يصنع رمزاً أو قامة اجتماعية.

لقد تحول بعض المادحين إلى ما يشبه الظل؛ لا يُعرف لهم حضور إلا خلف أصحاب النفوذ، ولا يُسمع لهم صوت إلا في لحظات الإشادة والتهليل. يكررون العبارات ذاتها، وينسجون أوصافاً أكبر من الواقع، بينما يدرك الحاضرون قبل الغائبين أن ما يجري ليس سوى محاولة مستمرة لصناعة هالة وهمية حول أشخاص عاديين أو حول أنفسهم من خلال الآخرين.

والمؤسف أن هذه الممارسات تأتي في وقت تجاوز فيه المجتمع هذه الأساليب القديمة. فالناس اليوم تبحث عن الإنجاز لا عن الضجيج، وعن الأثر لا عن الصورة، وعن الفكرة لا عن المبالغة في المديح. لم يعد أحد ينبهر بكثرة الصور، ولا بعدد عبارات الثناء، ولا بالمشاهد المتكررة التي فقدت بريقها منذ زمن.

لقد اكتفينا من مشاهد التطبيل، وتشبعنا من حملات التمجيد التي لا تنتج قيمة ولا تبني وعياً ولا تصنع نجاحاً. ما يحتاجه المجتمع هو نماذج تقدم عملاً حقيقياً، لا نماذج تتغذى على الأسماء وتعيش على هامش إنجازات الآخرين.

فالصور قد تملأ الهواتف، والتصفيق قد يملأ القاعات، والعبارات المنمقة قد تملأ صفحات التواصل، لكن التاريخ لا يحفظ أسماء المصفقين، ولا يخلد محترفي التمجيد، بل يكتب فقط أسماء الذين صنعوا فرقاً حقيقياً في حياة الناس.

أما البقية… فتبقى صورهم شاهداً على زمن ظن فيه البعض أن الكاميرا قادرة على صناعة الرجال، وأن الوقوف بجوار أصحاب المكانة يمنح مكانة، بينما الحقيقة أن الرجال تُصنعهم أعمالهم وإنجازاتهم لا عدسات المصورين ولا تصفيق المصفقين .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى